النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:52PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

نيرون بيروت

رابط مختصر
العدد 11449 الأربعاء 12 أغسطس 2020 الموافق 22 ذي الحجة 1441

 مارست قنوات البث التلفزي بكل اللغات مدعومة بوسائل التواصل الاجتماعي فعلًا قاسيًا يجرح وجداننا ويضغط على قدرتنا بشرًا على تحمل مشاهد الدم الحار وصور الدمار التي خلفها انفجار ميناء بيروت الرهيب وارتداداته الدامية، وفرضت علينا بحكم سلطة الخبر وموقعه منا متابعة الكم الهائل من الخسائر البشرية: قتلى وجرحى ومفقودين... مارس الإعلام ضغطه علينا بنقل مشاهد كارثة بيروت وإعادة نقلها بالتركيز في صورة الانفجار «القيامي»، كما وصفه الكاتب مشاري الذايدي، آذتنا ضخامة الانفجار، وهالنا اتساع مجال تأثيره التدميري إلى أكثر من اثني عشر كيلومترا، ولكننا، مع ذلك لم نكن نملك جرأة الابتعاد قيد أنملة عن متابعة تفاصيل التفاصيل في ذلك النقل للوقوف على حجم الألم الذي يعانيه أبناء بيروت، عاصمة النور العربية، التي أصبحت بعد تغول «حزب الله» في مفاصل الدولة مرتعًا للفساد والطائفية والتعصب الديني.

 المشهد اللبناني في صورته الكارثية الشاملة المعبرة عن هول المأساة الإنسانية شاهد أبدي على استهتار السلطة السياسية بحياة البشر وانغماسها في تقاسم مغانم السلطة، واستنساخ معاصر لسيرة نيرون، فمثلما كان لروما «نيرونها» فإن للبنان نسختها من نيرون الإمبراطور الروماني الذي أحرق روما وانشغل بغناء أشعار هوميروس من برجٍ عالٍ، ليلقي فيما بعد بمسؤولية الحرق على المسيحيين، نيرون اللبناني ستكشف عنه التحقيقات إذا ما أخذت صفة الدولية. ولكن، قل على هذا التحقيق السلام، إذا ما كان لبنانيًا مثلما «بشر» بهويته يوم الجمعة الماضي بتواطؤ على ما يبدو بين كل من رئيس الجمهورية ميشيل عون الذي قرأ بـ«عبقرية» فذة الانفجار وما ترتبت عليه من نتائج كارثية ورأى فيه بكل بساطة فرصة لفك الحصار الدولي عن لبنان، وحسن نصرالله الرافض أصلاً للتحقيق الدولي رفضًا يكاد فيه المريب أن يقول خذوني، والذي رأى بدوره أن قبول المساعدات المقدمة إلى الشعب اللبناني من دول العالم «يمنح فرصة للبنان، دولة وشعبًا، للسلام ويفتح الباب للخروج من حالة الحصار والشدة..». مقاربة عجيبة بلا شك تستثمر في الدم والخراب، وتقدم مصالحها الحزبية والعقائدية والإيديولوجية والطائفية الضيقة على مصالح الوطن!

 الخلاصة المستفادة من الكلمة التي ألقاها حسن نصرالله لا تنطق بها كلماته الممجوجة ولا بلاغته الخرقاء فحسب وإنما تفضحها أيضًا أسارير وجهه ومكونات خطابه، فهذه العناصر مجتمعة تؤكد أن مأساة لبنان الحقيقية تكمن في هذه التنظيمات الطائفية الإرهابية المتدثرة بغطاء حزبي والتي لا حياة لها إلا في ظل دولة ضعيفة منتهكة منخورة بالفساد والمحاصصات الطائفية. أسارير وجه حسن نصرالله وعضلات وجهه المنشرحة وهو يبعث بابتسامات لم تكن أبدًا متناسبة مع خطاب قال عنه نفسه إنه توصيفي للحالة اللبنانية الأليمة بعد يوم واحد من الانفجار المدمر ولكنه خلا من هذا الموضوع أو كاد إلا في بعض المقاطع التي كان فيها يومئ إلى ما يظنه بعضهم عن احتمالية مسؤولية «حزب الله» في الانفجار، فما كانت منه هذه الالتفاتة إلا تحذيرا للمواطنين اللبنانيين من التفكير في إلقاء أي لوم على «حزب الله» في هذه المأساة. ولا أعتقد أن هذا «البعض» سيكون مخطئًا في ظنه عندما يربط سبب الانفجار بكمية نترات الأمونيوم المخيفة المخزنة بإهمال مفرط في المرفأ، كما أثبت اللبنانيون، ذلك أن قصة حسن نصرالله وغرامه الجنوني بتخزين الأمونيوم في غير مكان مثل قبرص ولوليفيا والكويت ولندن وألمانيا وبريطانيا، وهوسه بالتدمير والحرق أمر مشهور ومعلوم، ثم لا ينبغي أن ننسى أن نصرالله نفسه كان حريصًا على أن يلوح متباهيًا بمشروعه التفجيري التخييلي في حيفا، وهذه كلها قرائن تعزز الاعتقاد بمسؤوليته في تخزين هذه المادة وبمسؤولية حزبه على ذلك بإشرافه على العنبر رقم 12 الذي كانت فيه شحنة نترات الأمونيوم الضخمة مخزنة.

 الانفجار الهائل الذي هزَّ مشاعر البشرية ورمى بمستقبل لبنان إلى المجهول، هو آخر الأحداث الطازجة التي تشير إلى أن النظام السياسي القائم غير كفء لإدارة الدولة وعليه أن يتنحى. وهو سانحة مواتية ينبغي استغلالها جيدًا كي لا تضيع. فإذا ما وجد الرئيس عون في المأساة فرصة لفك ما أسماه حصارًا على شعب لبنان، فالواجب الوطني يحتم على اللبنانيين أن يحولوا تفاصيل هذه المأساة إلى ملحمة بناء وتشييد بعيدًا عن منطق المحاصصات الطائفية الأعرج، وإلى فرصة حقيقية لتغيير النظام القائم وبناء لبنان الجديد.

 المحاصصة الطائفية، الفساد الإداري والمالي، سلاح «حزب الله»، كلها مشكلات بنيوية تعيق تقدم الدولة. وهي مجموعة مشكلات مقيمة، وليست طارئة، في المجتمع اللبناني أفضت إلى استنبات مجموعة من المشكلات الأخرى وغدت متلازمة معها مثل التدهور الاقتصادي والسجال السياسي غير المنقطع واختطاف القرار اللبناني الصرف، حان الوقت ليقول الشعب كلمته فيها. ولعل استئناف اللبنانيين يوم السبت الماضي حراكهم الذي توقف بسبب الكورونا هو الخطوة الصحيحة لتطبيق شعار الحراك الأول «كلن يعني كلن» للتخلص من هذا النظام الفاسد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها