النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:52PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

أبا سلام.. ونشيج البيانو والقيثارة 3/‏‏3

رابط مختصر
العدد 11447 الإثنين 10 أغسطس 2020 الموافق 20 ذي الحجة 1441

يا للمفارقات الغريبة والعجيبة في هذه الحياة. أن يولد ذلك الطفل المحرقي في فضاء عائلة كادحة تزدهر بزقزقة عصافير الجنة من أولاد وبنات، عشقت من باكورة حياتها معنى قيمة الحياة في ذلك الفرح الذي ازدان به الحوش ليلاً ونهارًا.

 ركض الطفل سلمان في حي بن هندي مثل جميع أقرانه ينمو ويحلم بعيدًا عن مسافات ذلك الشاطئ، دون أن يدرك النهايات المحزنة للحياة ستجدها في بحة الحزن التي تسكن حنجرته وأغنياته التي يختارها بشفافية العاشق. 

هذا المولود في فضاء سنوات الغليان والمد الناصري من سنة 1954 تشبّعت أحاسيسه بتلاطم تلك الأصوات المتداخلة الهادرة لتتغلغل في دمه الناصرية بصورة مبكرة، حيث ولد بعد قيام الثورة المصرية بسنتين، ومات في فجر الليلة التي يصادف ذكرى الثامنة والستين من ميلادها من عام 2020. جاء معها ورحل في ذكراها، وكأنما كان عليه في شهر يوليو أن يموت مع أعظم موسيقار إيطالي معاصر شهير هو اينيو موريكوني الذي توفي في 6 يوليو من عامنا المشؤوم بالجائحة والمصائب والخسارات الكثيرة والفقدان الأليم للأعزاء. 

كانت محنة أبي سلام ليست المرض وحده فهو عاش معه لفترة لا بأس من الزمن وحاول أن يتعايش معه، غير أن «مصيبته الكبرى» تعلقه الحميم مع أصدقائه، وهو إذا ما أحب صديقًا او تأثر بشخصية ما يهيم حبًا وتعلقًا فيه، فيتألم لألمها ويفرح لفرحها كما حدث له، عندما أصيب الأخ أحمد الشملان بالجلطة رغم محاولته كتمان وإخفاء تلك العواطف الجياشة. 

تلك الحساسية صاحبته بنفس القوة حينما خطف الموت منه الموسيقار مجيد مرهون تاركًا فراغًا في حياته، وكانت تربطه به علاقات دافئة وجديدة مع مجيد منذ خروجه من السجن. كنا جميعنا نعرف مدى تلك الفاجعة على قلب سلمان بتلك الخسارة، فلم يندمل الجرح طويلاً حتى سلبت منه الحياة أعز أصدقائه كقطعة من فؤاده، سرق الموت منه «سيد علي» أبا سلمان، ذلك الموسيقي والمصور الصامت من سخرية الحياة، فيا لمحنة أبي سلام بعد تلك الأخبار المدمرة، وهو الذي عاش يوزع الابتسامات ليشحن الناس بالأمل. 

كان آخر لقاء لي معه وسيكون الأخير في مجلس عزاء «سيد علي» والذي كانت تربطني به علاقات ومعرفة أقدم من أبي سلام به، ولكن كان هناك ما هو مشترك، خفي ومعلن لكل هؤلاء المعادن النبيلة الثمينة. تفصلنا مع دوران الحياة ومصادفاتها الكثير من المحطات والقصص واللقاءات والمودة، توجعنا أخبار الأصدقاء في غيابهم وحضورهم مثلما تهزنا صدمة موتهم المفاجئ دون أن تستطيع ذاكرتنا على نسيان تلك الرعشة الكبرى للقلب عندما تفتح عينك وأنت بعيد على جملة في السوشيل ميديا «سلمان زيمان في ذمة الله» فتهبط على روحك كالزلزال المدوي، وقد كنت لتوك قبل يومين متعبة أعصابك بوفاة الصديق، الصحفي السوري مصطفى كركوتي. هذا الخسران المستمر دون توقف مع الموت هي الصفحة الأخيرة من نهايات الوجود والعدم لحكاية الإنسان بين الموت ورحلة الحياة. 

لا أملك إلا تعزيتي الخالصة للعائلة التي كنت أعرفها عن قرب وألمس رهافة قلوبها الجميلة حين تلقاهم مهما غبت عنهم. 

أعرف أن فراغ غياب أبي سلام سيظل ردحًا من الزمن مسكونًا في ذاكرتنا وذاكرة الوطن وصورته وهو فرح على خشبة المسرح في مهرجان أجراس يعزف الكونغا في أغنية نار النشاما للشاعر البحريني علي عبدالله خليفة وهو يردد: يا لغبر، لا تسيل دمعة افادي ولا تكون.. لا تخطي زلة لسانك.. لا تلمس جرحي المفتوح وتزيد آلامه.. ما طفت نار النشامة ولا سكت حس اليهال.. وما غركت كل المنامة. أجمل ما قيل عن المنامة التي لن ولم تغرق فهي الأخت التوأم لمدينة المحرق في كل محطات التاريخ البحريني الجميل. 

وداعًا أبا سلام، فلك في قلوب الأصدقاء ضحكة الحكايات وابتسامات الوقت وحزنه، ستظل في وهج ذلك الحوش كصوت الأغنيات والأمل، كتلك الشجرة التي لا تذبل او تشيخ، كأحجار البيت القديم وجدرانه في فريج بن هندي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها