النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:52PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

بيروت بعد العدوان

رابط مختصر
العدد 11447 الإثنين 10 أغسطس 2020 الموافق 20 ذي الحجة 1441

عندما رأيت أسراب الطائرات العربية وهي تحطّ على مطار رفيق الحريري في بيروت الحبيبة، وعندما انتفضت العرب عن بكرة أبيها لغوث لبنان بعد التفجير العظيم، تذكرت الأغنية الستينية الخالدة «وطني حبيبي.. وطني الأكبر»، وتذكرت من بين ما تذكرت الكلمات التي شدت بها الفنانة الكبيرة شادية وهي تقول: «شوفوا بيروت بعد العدوان.. الاستعمار فين والطغيان»، لكن عندما حطت طائرة الرئيس الفرنسي ماكرون بحمولتها الثقيلة، وظلها المشكوك في نقاء سريرته بجوار أساطيل الطيران العربية، شعرت بأن العودة غير الميمونة لـ«ظل الماضي» قد بدأت -رغم الفارق- في استعادة وجهتها القديمة، بل واستنهاض وجهها القديم، ماكرون يرفض مصافحة الرئيس «العربي الشرعي» ويصافح الشعب، يتجول بأريحية وحرية مطلقة من دون رفيق لبناني، أو «حريري» شهيد، أو فصيل «متغول» في مواقع الدمار الهائل الذي خلفه العدوان الآثم على المرفأ «الغامض». شعرت والأساطيل العربية تتسابق على الذهاب إلى لبنان الجريح لتقديم يد العون إلى شعبه العظيم، أن أمتنا مازالت بخير، حتى أن حملة «فينا خير» التي يقودها ممثل جلالة الملك للأعمال الخيرية وشئون الشباب مستشار الأمن الوطني رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة الأمين العام لمجلس الدفاع الأعلى سمو الشيخ ناصر بن حمد قد كان لها مكانًا تحت شمس المساعدات المكثفة التي لم يهدأ ضجيجها طوال الأيام الثلاثة الماضية.

المشكلة ليست في عرب يمكن استنهاض هممهم، وليست في مستعمر قديم يسعى لإضافة «مركز إشعاع من مستعمراته» الزائلة، إنما في تلك الروح الصاعدة من تحت الأنقاض، في الهمة الأعظم التي انتشلت التفجير العظيم من صدور المواطنين اللبنانيين، وفي ذلك الحزم الذي بدا عليه زعماء الطوائف وهم يناشدون الجيش والحكومة، للتحقيق في الكارثة وتقديم المسئول «الحقيقي» للعدالة.

الدهشة -كل الدهشة أنه بعد رفع البصمات، وإزالة آثار العدوان، ولملمة الزجاج المتناثر من خلطته الأليمة مع الدماء الزكية، بدأ كل طرف مسئول، في إلقاء الكرة إلى ملاعب مجهولين، لم يجرؤ مسؤول واحد، لا من القصر الرئاسي في بعبدا، ولا من دار الحكومة في بيروت، ولا من أقصى الجنوب حيث ترابض «المقاومة» بأعلامها الصفراء، أن يلقي الاتهامات جزافًا على أحد، بقدرة قادر أصبح العقل هو سيد الموقف، وبقدرة قادر لم يلمح أي متهم ليس بريئًا إلى حين بأن التفجير قد فعله فلان ابن فلان، وأن الكارثة حلت على الوطن لأن الحزب الفلاني، أو التجمع «العلاني» هو المسؤول عن الفاجعة، اتفق الفرقاء ربما لأول مرة على التحقيق مع المجهول، على الإشارة بأصابع الاتهام إلى مجهول وهمي اسمه الفساد، هيا بنا يا جماعة الخير كي نحاكم الفساد، كي نقيم الحد عليه، وننصب له المقاصل الثورية، ونقطع دابره الإجرامي من الجذور، هيا بنا أيها السيدات والسادة لكي نضع يدًا بيد، وكتفًا بكتف، لكي نحارب الفساد، بعناوينه المتغيرة، وأشكاله المتحولة، وأساليبه المنقلبة.

نعم إنه الفساد، هو بعينه، وشحمه ولحمه، ليست الحكومات المتعاقبة منذ الحريري وميقاتي وسلام إلى حسان دياب هي المسئولة عن وجود 2750 طنًا من متفجرات نيترات الأمونيوم شديدة الخطورة لأكثر من ست سنوات على رصيف في الميناء الموعود، وليست الأحزاب الموجودة بقوة على الأرض هي التي تآمرت واستوردت من أوكرانيا وحاولت التصدير لـ«موزمبيق» حسب الرواية المضحكة، وليست هي الحكومات التي لم تكن تدري شيئًا عن تلك الشحنة «الغامضة» طوال هذه السنوات، هي المسؤولة عن الكارثة المروعة.

الاتهامات بجلالة قدرها وجلال تطاولها لم تطال أي شخص من أي شخص، ولم تشر بأصابع الحقيقة إلى كيان أي كيان، ربما لأن الجميع مسئولين، ولأن الجميع متورطين، ولأن المأزق بأقل كمية مُراقة من ماء الوجه سيظل ماثلًا في الأذهان، لكن الأكيد أن المتهم في حال بيروت الكارثي لن يكون بريئًا بأي حال، وأن العرب الذين هبوا لإنقاذ ما تبقى من نصف بيروت لن يندموا أبدًا، لأنهم جاءوا هذه المرة حبًا في الشعب، وليس عشقًا للطبيعة الخلابة، ولأنهم انتفضوا في الربيع الصيفي الحالك من أجل شعب نجموه على سدة التنوير الإقليمي، ونصبوه زعيمًا للفكر والثقافة والفن والحياة في منطقة مازالت ترزح تحت وابل التراجع والتفتت والتشرذم والانقسام.

هو لبنان الدامي، وهي بيروت الجريحة، ونحن العرب المتعاقبين، هل من مزيد يا أمة الضاد، ويا لغة قحطان وعدنان، وكرامة عنترة وأمرؤ القيس، وعفاف ليلى وبثينة والخنساء وأم سلمة؟ إنه كل ذلك الذي هب في ليلة وضحاها، في سكرة التيه ومنتهاها، وفي ضاحية الأمل ومحياها.

عرب وبينهم فرنسي يحاولون انتشال الجثة الحية من تحت الأنقاض، وعرب وحولهم آخرون يحاولون الفكاك من أباطيلهم وألاعيبهم وأطماعهم المكشوفة، لكن ما لم يخدع أمة في سباتها العميق، لن يخدع شعب طول الطريق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها