النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:52PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

شر البلية ما يبكي

رابط مختصر
العدد 11445 السبت 8 أغسطس 2020 الموافق 18 ذي الحجة 1441

أُعزِّي نفسي واللبنانيين والعالم كله في ضحايا ومصابي الانفجار في مرفأ بيروت، وأشكر كل من تواصل معي من الأخوة والأصدقاء في البحرين والخليج العربي والعالم ليطمئن عَليَّ وعلى عائلتي وأهلي وناسي في بيروت، نحن بخير الحمد لله، حدثت أضرار في الممتلكات نتيجة الانفجار الهائل، بيت ابني كريم الواقع على بعد 15 كم عن المرفأ تضرر كثيرًا، فروع ماكدونالدز الـ20 التي نملكها في بيروت تضررت بدرجات متفاوتة، مكاتب بروموسيفن تضررت أيضًا، حالنا حال الآخرين، نحمد الله على كل حال.

كان الله معكم يا أهلي وأخوتي في لبنان، وكأنه لم يكن ينقصكم مصاعب ومتاعب وشقاء في توفير لقمة عيشكم ومواجهة الأمراض وجائحة (كوفيد-19) حتى يأتي هذا الانفجار فينسف ما تبقى من قمحنا وكرامتنا وأحلامنا.

وكم أنا ممتن وأنا أرى مملكة البحرين والأشقّاء العرب يتهافتون على إغاثة لبنان بلهفة الاخوة وبكل ما لديهم من إمكانات، ويا ليت بعض السياسيين في لبنان يفهمون الرسالة ويحملون المعروف ويدركون أن لبنان ليس له سوى أخوته العرب حاضنًا ومعينًا ومنقذًا في الأزمات، ويدعون الله سبحانه أن يديم نعمة الأمن والاستقرار في الخليج العربي.

لست مهتمًا بتفاصيل ما حدث في المرفأ وأدّى لهذه الكارثة غير المسبوقة، ولا أبالي كثيرًا بالنتائج التي ستصل إليها لجنة التحقيق التي جرى تشكليها لهذه الغاية، لأني أعرف مسبقًا ويعرف الجميع أن مشكلة لبنان لن تحل بحساب وعقاب المتورطين في حادثة هنا أو هناك مهما كبرت، مشكلة لبنان هي في تركيبته السياسية والطائفية وفي نظامه الإداري والقضائي والعدلي وغيره، مشكلة لبنان في أنه تحول لدولة فاشلة، في أنه يتيم، له أولاد كثر يدّعون حبه، لكنهم في الواقع يقتلونه حُبًا.

من الصعب جدًا إن لم يكن من المستحيل تصديق الحال الذي وصل إليه هذا البلد، سويسرا الشرق، وقطعة سماء، من الصعب تخيّل حجم الكارثة التي نحن فيها، لكن من يضمن ألا يكون القادم أسوأ وأسوأ؟ فمن الواضح أن هذا الانفجار الهائل نجم عن مواد شديدة الانفجار ويمكن استخدامها في صناعة المتفجرات، وفوق وتحت الأرض تنتشر الكثير الكثير من مخازن أخرى موزعة هنا وهناك؟ أليس لبنان كله على فوهة بركان؟

كنت في بيروت عندما جرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في فبراير من العام 2005، لا زال صدى هذا ذلك الانفجار يتردد في أذني، كان حدثًا مذهلاً مفجعًا هزَّ ضمير كل الأحرار في العالم بلا شك، لكن أثره السياسي كان أكبر من أثره على الأرض والخسائر التي تسبب بها، أما اليوم فنحن أمام مدينة شبه مدمرة بالكامل، تكاد تكون مدينة أشباح، وتشير التقديرات إلى أن خسائر انفجار المرفأ قد تصل لخمسة عشر مليار دولار، في بلد غارق أساسًا في الديون وكثير من سكانه لا يجدون قوت يومهم بكل معنى الكلمة.

رحم الله الحريري، أراد الخير للبنان، اختار له طريق البناء والازدهار، كان رجل دولة يعمل على إعادة لبنان لحضنه العربي ولمكانته الدولية، أراد لبيروت أن تعود نقطة التقاء وانصهار للإنسانية جمعاء، أراد لقلبها أن ينبض بالحياة من جديد، وأن يزدهر فيها الإبداع والفن بكل صوره.

لكن هذا النهج نحو المستقبل لا يعجب بعض المجرمين السفلة الذين يريدون العيش في بكائيات الماضي، فأقدموا على اغتياله، هؤلاء مسرورون الآن بانفجار بيروت بلا شك، تعرفون لماذا؟ لأنهم لا ينشطون إلا في الدمار، لا يستطيعون السيطرة إلا على الفقراء مسلوبي الإرادة الباحثين عن قوت يومهم، فيسهل عليهم غسيل أدمغتهم واستقطابهم وتجنيدهم مقابل بعضة مئات من دولارات تأتي من الخارج، ثم زجّهم في معارك عبثية داخل وخارج لبنان.

هذه القوة المُدمِّرة التي تعيش تحت الأرض لا تعرف للحياة قيمة، تنادي بتحرير العرب وفلسطين بالذات، ولكنها تدمر نفسها ومن حولها في الواقع، وأسأل هنا بصراحة: ما هي مصلحة إسرائيل في تدمير هذه القوة؟ بل من مصلحتها تركها تعيش وتقوم هي نيابة عن إسرائيل بتدمير لبنان وسوريا وزرع الشقاق في المنقطة برمتها.

هذه القوة وأزلامها في الخارج لن تكون مرتاحة لقرار المحكمة الدولية الخاصة بمعاقبة قتلة الرئيس الحريري، لكن المشكلة الكبرى في لبنان هي الإفلات من العقاب، ربما كان ذلك الإفلات ضرورة طارئة بعد اتفاق الطائف، بهدف التهدئة وإنهاء حرب أهلية استمرت 15 عامًا، لكنه مع الأسف أصبح نهجًا مستدامًا، فلم نسمع عن الإمساك ومعاقبة قتلة جبران تويني وسمير القصير وغيرهم وغيرهم، ومن نافل القول أيضًا أننا لم نسمع عن محاسبة أو محاكمة فاسد، ومعروفٌ أنه من «أَمِنَ العقاب أساء الأدب».

أكاد أجزم أن التجاذبات السياسية المحلية والإقليمية وحتى الدولية هي من أوصلت لبنان لما هو عليه الآن من التمزق والتشرذم والضعف والانهيار، عندما انجر لبنان إلى ملفات إقليمية أكبر منه ومن قدرته على احتمالها، وعندما تقاذفت دول المنطقة كتل النار فيما بينها وقررت تصفية حساباتها على أرض لبنان، حيث تقاتل السوريون والإسرائيليون، والمسلمون والمسيحيون، والسنة والشيعة والدروز... ما من صدام ديني أو طائفي أو عرقي أو نزاع على النفوذ والسيطرة الإقليمية إلا وانفجر على أرض لبنان، وكان اللبنانيون أدواته ووقوده ودفعوا ثمنه من دمائهم ومستقبل أبنائهم، والآن تدمّر كلٌ من إيران وإسرائيل ما تبقّى من لبنان. في الواقع لا يمكنني تخيّل كيف يمكن لأي رجل سلطة في لبنان، مهما كان متوحشًا أو عديم الإحساس، أن يأكل أو ينام وحال البلد هذه الحال، فمهما كان الإنسان جشعًا محبًا للسلطة لا يمكن له إلا أن يزهد بالمال والمنصب عندما يرى الناس من حوله فقراء يموتون قهرًا، ويحضرني هنا مسرحية نهر الجنون للكاتب المصري الكبير توفيق الحكيم عندما قرر الملك ووزيره في نهاية المطاف الشرب من النهر الذي شرب منه الجميع وأصيبوا بالجنون، في نص يعكس أهمية الالتحام مع الشعب مهما كان، حتى لو كان مجنونًا.

صوت الانفجار في مرفأ كان قويا جدا، أدعوا الله تعالى أن ينجح هذه المرة في إيقاظ ضمائر السياسيين التي تغط في سُبات عميق جدا جدا. خَطية لبنان واللبنانيين في رقابكم.

بيروت لا تموت، بيروت تنهض في كل مرة من تحت الركام مهما كان كبيرًا ومتراكمًا، مهمتنا اليوم أن نعمل مع كل اللبنانيين والشرفاء حول العالم على تلافي آثار الدمار، ونحن قادرون على ذلك. لن ندع اليأس يدخل قلبنا أبدًا.

* رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسِفِن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها