النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:52PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

تجديد العقل العربي

رابط مختصر
العدد 11445 السبت 8 أغسطس 2020 الموافق 18 ذي الحجة 1441

يُشغل العقل العربي الكثير من المفكرين والكتّاب والباحثين العرب في كل الأقطار العربية دون استثناء، وسيكون هذا الاهتمام هو الشغل الشاغل لأجيال عربية جديدة قادمة، فالعقل هو الذي يحدد مسار الأمة، ويوضح الطريق ويشير للوجهة الصحيحة كما يزعم الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري، الذي نادى باتباع العقل في القرن الحادي عشر الميلادي، لكن لم يصغِ إليه أحد فتهنا من بعده قرونًا. وعرف الفكر العربي في العصر الحديث أسماء عديدة أدلت بدلوها في العقل العربي وكيفية النهوض به وانتشاله من الجهل والخرافة، في النصف الأول من القرن العشرين، منهم المفكر المصري زكي نجيب محمود ومحمود أمين العالم والطيب تيزيني والمفكر المغربي محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي وعلي حرب وغيرهم، ولا زالت الحوارات في هذا الموضوع ساخنة لا تستقر ولا تهدأ، فالعقل العربي لا زال يعيش في أزمنته الخانقة الحادة التي غيبتنا في الماضي السحيق، فيما الدول الأخرى من حولنا تذهب إلى المستقبل، والغريب والخطير في الأمر أن نشهد ردة أخرى في العقل العربي في العقود الثلاثة   الماضية، على يد الأصولية الدينية أعادتنا إلى الوراء فهدمت ما بناه المفكرون العرب قبل هذا التاريخ. والمفكرون العرب الذين ذكرت بعضهم توغلوا في جدل فكري خصب متداولين وباحثين في مشاكل هذا العقل وعثراته. 

فعندما كتب المفكر المغربي محمد عابد الجابري كتاب [نقد العقل العربي] كتب بناءً عليه المفكر جورج طرابيشي كتابًا أسماه [نقد نقد العقل العربي] وهذه التسمية مأخوذة من مفكرة التراث الفلسفي العربي القديم. فعندما كتب الفيلسوف الغزالي كتاب [تهافت الفلاسفة] يهاجم فيه الفلاسفة العرب ويحط من قدرهم وشأنهم ويُكَفّرهم بنى عليه الفيلسوف إبن رشد كتابًا يفنّد فيه آراء الغزالي أسماه (تهافت التهافت) وفي إطلالة سريعة على تواريخ الأمم والشعوب سنلاحظ أن نهضتها بدأت بتغيير العقول أولاً. 

لقد شكّلت ثقافة العقل اليونانية القديمة، التي نشأت قبل الميلاد أول إصلاح فكري في العالم الغربي على يد فلاسفة مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو وآخرون، وبناءاً على هذا الإصلاح الفكري استطاع اليونانيون تأسيس حضارة جديدة متقدمة في القرن الرابع قبل الميلاد، في فترة كان العالم فيها غارقاً في الجهل، وبذلك سبقوا الأمم الأخرى. ارتحلت ثقافة اليونان وحضارتها فيما بعد إلى العرب والأوروبيين فأسسوا عليها حضاراتهم المتقدمة. وعادة ما تستعين كل أمة تريد النهوض في تواريخها القديمة للبحث عن التراث العقلاني للأمة، لتبني عليه ثقافتها الجديدة، إنطلاقًا من جذورها وتاريخها وخصوصيتها، كي يكون تقبل الفكر الجديد ممكنًا وسهلاً عند الناس المتآلفين مع تراثهم. 

وغالبًا ما يرجع المفكرون العرب المعاصرون إلى تراث المعتزلة الذين عملوا على القياس العقلي لتفسير الظواهر وتأويل الأحداث، بالإضافة إلى ما تركه الفلاسفة العرب في العصر الوسيط مثل إبن سينا والفارابي وإبن رشد وإبن خلدون. وليس تاريخ التقدم البشري في كل القارات إلا أفكارًا كانت في العقول ثم إنبنت عليها الحضارات. يقول الفيلسوف البريطاني جون لوك إن العقل هو شمعة الله المقدسة التي زرعها في الإنسان. وهذه الشمعة يوقدها البشر أنفسهم. وللأسف الشديد فالعقول العربية الحالية في معظمها لم تشتعل بنور العقل بعد، وهي لا زالت رهينة للفكر السلفي الذي جاء في مرحلة الإنحدارالحضاري، وبالتالي بقينا رهينة لفكرالقرن الثاني عشر والثالث عشر، إذن فليس غريبًا أن يحَرم دعاة الأصولية الجديدة في القرن الحادي والعشرين تدريس الفلسفة، وهي غذاء العقل الأول والأهم، فبفضل الفلسفة والفكر نهضت كل الحضارات إبتداءاً من الإغريق والعرب، وانتهاءً بالغرب، وعلى يد مفكرين مثل جون لوك وآدم سمث ورينيه ديكارت وعمانويل كانت وهيجل وغيرهم. 

فالشعوب الناهضة كلها استوحت نهضتها من عقول مفكريها. وعندما يتغير العقل تتغير المجتمعات، وعندما يموت العقل تتخلف المجتمعات. إذن لن تستريح الطلائع العربية المستنيرة قبل أن تسود العقلانية في البلاد العربية. والانسداد التاريخي الذي عطل مسيرة الإصلاح والتطور في بلداننا العربية (ناهيك عن النهضة) يعود في أساسه إلى تكلّس العقل العربي، وبالتالي كانت الهزائم والكوارث السياسية في انتظارنا، فالأمة التي لا تستضيء بالعقل غالبًا ما تكون مغلوبة على أمرها وتابعة، ولقمة سائقة لأعدائها. 

والملاحظ أن الأمم المتقدمة اليوم، هي الأمم التي كان العقل معيارها ودليلها. وعندما تكلّس العقل العربي في القرن الثاني عشر وما تلاه، تلقفتنا الأمم القوية وصرنا مطيّة سهلة لدول دخيلة، بدءًا بالاحتلال العثماني وانتهاءً بالبلدان الغربية وإسرائيل، واليوم تطفو على السطح أطماع الإيرانيين والأتراك. 

في كل هذا الزمن الطويل المتراكم البائس، كان العقل العربي مريضًا ينام على سرير الماضي يلوك آلامه وأسقامه. وفي فترة الاحتلال العثماني والغربي كان من مصلحة المُهيّمِن أن يتعطل عقل المهيمَن عليه. فالعثمانيون عطّلوا المدارس. والاستعمار الغربي بدوره لم يسمح إلا بالتعليم المحدود وكان يعمل على تكريس الجهل والتخلف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها