النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11525 الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 الموافق 10 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

من أجل الهوية علّموهم العربية

رابط مختصر
العدد 11443 الخميس 6 أغسطس 2020 الموافق 16 ذي الحجة 1441

قد يستغرب البعض من عنوان مقالتي هذه وخاصة إنني متخصصة في علم اللسانيات واللغويات باللغة الإنجليزية وقد حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة شيفيلد وهي من أعرق الجامعات البريطانية وأقوم بتدريس اللغويات المتعلقة باللغات بشكل عام وباللغة الإنجليزية بشكل خاص، إلا أن من يعرفني عن كثب يعرف مدى اعتدادي باللغة العربية ومدى تغزلي العذري بجمالها وبنتاج أدبها الغزير في كل محفل ومناسبة، وقد سبق أن قدمت عددًا من المحاضرات حول أهمية المحافظة على اللغة العربية. ولعل تخصصي هو ما يجعلني اليوم أدعو للالتفات إلى أهمية ترسيخ  اللغة العربية كمكون أساسٍ في المخزون اللغوي لدى الأجيال الناشئة التي لم تحظَ كما حظينا بتركيب الكلمات مع «أبو الحروف» في «افتح يا سمسم»، ولم تنتظر على أحر من الجمر نزول العدد الجديد من «مجلة ماجد» كل أربعاء لتقرأ ما فعله كسلان جدًا في رفاقه، ولم تذهب مشيًا عصر كل يوم رغم الحر والمطر إلى «المطوّع» لحفظ القرآن الكريم وتجويده بنطق سليم، ولم تقرأ قصص كليلة ودمنة، ولم تحفظ أشعار أبو فراس الحمداني وهو يقارع قرعويه، ولم يبهرها عبقرية الكر والفر لدى المتنبي، ولم تتأمل إبداعية نجيب محفوظ في رسم الشخصيات التي أسرتنا في «ما بين القصرين». فكم أشفق على هذا الجيل الناشئ الذي حُرم وبشكل غير متعمد ولكن غير واعٍ من قبل أولياء الأمور من نتاج ما حظيت به الأجيال السابقة، وذلك بسبب هيمنة فكرة استخدام اللغة الإنجليزية عليهم في التواصل مع هذا الجيل المحروم أيضًا من لغته وهويته. أتفهم تمامًا الوازع الرئيس لدى الأبوين فقد أصبحت اللغة الإنجليزية كونها لغة التواصل العصري lingua franca ولغة العلم الحديث وتقنية المعلومات ومتطلب رئيس للقبول في الجامعات ومفتاح الحصول على التوظيف وصعود السلم الوظيفي بشكل أسرع، مما جعلها اللغة الأكثر أهمية لدى أولياء الأمور فتراهم يتسابقون على تسجيل أبنائهم منذ الولادة في المدارس الخاصة «المتميزة» بطلاقة خريجيها في اللغة الإنجليزية وتجدهم ومن منطلق السعي إلى المكانة الاجتماعية (البرستيج) الذي ستوفره هذه اللغة لهم ولأبنائهم؛ يتحدثون مع الطفل منذ نعومة أظفاره باللغة الإنجليزية فتكون أولى كلماته بعد ماما» وبابا هي «this, that» وتصبح التفاحة apple وتصبح السيارة car وتصبح عملية التواصل بين الطفل وأبويه باللغة الإنجليزية بشكل تام إلا ما حمد ربي وشكر، وإذا حدثت معجزة ونطق الطفل بكلمة باللغة العربية عمت البهجة ونام الأبوان قريري العين بالإنجاز الكبير لطفلهم الصغير! ومن منا لم يسمع وهو يجول في المجمعات التجارية أو يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي عائلات بأكملها وهي تتحدث باللغة الإنجليزية بشكل تام. إلا أن أول الصدامات اللغوية لهذا القرار اللغوي المجحف بحق الطفل  تبدأ عندما يبدأ الطفل بالخروج عن دائرة الأبوين إلى البيئة المحيطة به والمتحدثة باللغة العربية فيبدأ في طلب ترجمة الجمل العربية الى الإنجليزية ليستطيع الفهم ومن ثم اللعب والتواصل، وإن لم يحدث ذلك ينطوي أو يبحث عمن هم على شاكلته وهم كثرة، ويؤدي ذلك إلى التأثير في من بقى من الأطفال ممن يتحدث باللغة العربية فيتبنى هؤلاء اللغة الإنجليزية بسبب ضغط الأقران والرغبة في الانتماء إلى الشريحة الأكبر فيتعزز التواصل بلغة غير اللغة الأم وتتضعضع الهوية البحرينية والعربية وجميع مكوناتها الاجتماعية الثقافية والدينية والحضارية وتصبح المناسبات المرتبطة باللغة والثقافة العربية كالعيد والقرقاعون والأعياد الوطنية عبئًا لغويًا ومكونًا ثقافيًا صعبًا يستدعي بذل الجهد الجهيد. 

إن علم اللغويات الاجتماعية ومنذ نشأته يحذِّر من تأثير اللغات الأخرى على اللغة الأم ويدعو إلى المحافظة عليها عن طريق تعزيزها لدى الجيل الناشئ كونه الأسرع في الاستجابة لعملية التغيير اللغوي حسب ما تذكره العالمة جانيت هولمز، وهذا هو دورنا اليوم حتى لا تواجه لغتنا الجميلة ما واجهته الكثير من اللغات حول العالم من انحدار ثم موت محقق بموت آخر المتحدثين بها أو بقاء صوري في شكل ترانيم دينية يتمتم بها في المعابد والكنائس من لا يفقه معناها ولا ينتمي لها بهوية أو بثقافة كما هو الحال مع اللغة اللاتينية والقبطية والتاسمانية ولغات العديد من القبائل الأفريقية ولغات السكان الأصليين في أمريكا وأستراليا وغيرها من اللغات المنقرضة أو المعرضة لخطر الانقراض. يجب أن نعي جميعًا بأن اللغة تلعب اليوم أكثر من أي وقت مضى دورًا رئيسًا في تعريفنا لأنفسنا وللآخرين وتعريف الآخرين لنا، فمن الضرورة بمكان بذل النفس والنفيس في سبيل المحافظة عليها كما تفعل الشعوب التي تحترم لغتها المرتبطة بنسيجها الثقافي والاجتماعي والديني كاليونانيين والإيطاليين والفرنسيين والصينيين، فأينما نذهب نشاهد بأعيننا ترجمة جغرافية لهذا الاحترام في المجتمعات اللغوية المركزية في مختلف المدن الأوروبية والأمريكية الكوزموبوليتانية كالحي الصيني China Town وإيطاليا المصغرة Little Italy في نيويورك ولندن وغيرها. وكم كان يستوقفني عند زيارة هذه الدول اعتداد متحدثوها بلغتهم واستخدامها في التواصل داخل وخارج مساحتها الجغرافية الأم  رغم طلاقتهم في اللغة الإنجليزية. 

لا أدعو أبدًا هنا إلى نبذ اللغة الإنجليزية أو أي لغة أخرى، فلا يختلف اثنان على الأهمية الكبيرة التي تحظى بها على الخريطة اللغوية وتوفقها على جميع اللغات الأخرى كوسيلة التواصل الأولى بين الشعوب وخاصة في المجتمعات متعددة اللغات، وأستدل بذلك هنا على توجه الدول الفرانكوفونية مؤخرًا ‘لى مراجعة السياسات اللغوية لديها وتوفير الموارد والبنى التحتية بشكل مكثف لتعزيز تدريس واستخدام اللغة الإنجليزية عوضًا عن الفرنسية، ولكنني أدعو أولياء الأمور إلى استخدام اللغة العربية جنبًا إلى جنب مع اللغة الإنجليزية من أجل تنشئتهم تنشئة لغوية متينة ذات هوية واضحة، ولا ضرر في تعليم الأطفال أيضًا لغات أخرى كالصينية والهندية، إذ تؤكد نظريات اكتساب اللغة على ضرورة تهيئة البيئة اللغوية لدى الأطفال دون الخامسة من العمر لاكتساب أكبر عدد من اللغات بسبب امتلاكهم نظام لغوي داخلي يمكّنهم من فهم وتكوين وإنتاج مركبات لغوية معقدة وبشكل إبداعي، فالطفل «الفلتة» في اللغة الإنجليزي يستطيع أن يكون «فلتة» أيضًا وبالدرجة نفسها في اللغة العربية واللغة الصينية وغيرها في آن واحد. كما يجب زيادة الوعي العام بما تحمله المحافظة على اللغة الأم من مآثر، وهنا يأتي دور التربويين والإعلاميين وأصحاب القرار لوضع المبادرات وعقد فعاليات ومسابقات معززة للغة ووضع سياسات لغوية واضحة إسوة بالدول الإقليمية المجاورة كالشقيقتين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وعمل تخطيط لغوي مستشرف يحفظ للغة العربية مكانتها ويضمن بقاءها. إن هذه اللغة الحية الجميلة تستحق أن نلتفت لها ونعتني بها، وكل ما نفعله لأجل الحفاظ عليها سيصب في تعزيز هويتنا وثقافتنا الإسلامية والعربية والخليجية والبحرينية.

 

أكاديمية وباحثة [email protected] 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها