النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11487 السبت 19 سبتمبر 2020 الموافق 2 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

سلمان زيمان.. نشيج الـبـيـانـو والـقـيـثـارة 2/‏‏‏‏‏3

رابط مختصر
العدد 11440 الإثنين 3 أغسطس 2020 الموافق 13 ذي الحجة 1441

عاش سلمان زيمان (أبو سلام) أزهى مراحل النهوض السياسي في بغداد وأفضل مراحل السبعينات لازدهار الأغنية السياسية في العراق ونهل منها وتأثر بها، فقد كان العالم برمته يتدفق سيَّالاً بفضاء الأغنية كجزءٍ من فكرة أهمية ودور الأغنية السياسية في المجتمع، ومن هنا نبعت في رأسه فكرة ضرورة تشكيل فرقة أجراس لتساهم في تطوير الأغنية البحرينية، والتي من خلالها قدم العديد من الأنشطة والألبومات الفنية الى جانب ألبوماته الشخصية بصورة منفردة. 

مضت خمس سنوات (1973) على انقلاب تشيلي الدموي فكانت بغداد تصدح في تلك السنوات بأغنية «تشيلي تمر بالليل» والتي أحبها سلمان بقوة وكان قتل المغني فيكتورا هارا بقيثارته يلهم أبا سلام إصرارًا على محاكاته في تربة وثقافة مختلفة عن قارة أمريكا اللاتينية، غير أن الشاب والطالب البحريني واصل يغني تلك الأغنيات في الأجواء الطلابية ومع نفسه باحثًا في الشعر البحريني وغيره ضالته في تلك النصوص التي عبَّرت عن معاناة الإنسان ونضالاته الأليمة. تشبعت روحه بأجواء العراق وتجربته الغنية ليعود بعد سنوات للبحرين للعمل في الحوض الجاف، عالمه النقابي فيلمس هناك بأم عينه من خلال تلك التجربة العمالية معاناة الطبقة العاملة في تلك المؤسسات وليجد نفسه مدافعًا ومنظمًا لتلك المجموعات بروح لا تعرف الخمول والتعب، غير إن روح ذلك الإنسان، كانت مأسورة بالفن والثقافة ويهيمن عليها بعمق الموسيقى والغناء قبل أي شيء آخر، وكانت فرقة أجراس معشوقته وحلمه الأبدي. وبدلاً من العيش في شقة الأعظمية أيام عابرة وجدت نفسي أكثر من شهرين ونصف منشغلاً في النهار بمهمات سياسية وفي الليل استمتع بحرارة وحماس الطلبة في سطح ذلك البيت، فقد كانت هناك حالة انشقاق طلابي عميق بين صفوف الجبهة الشعبية فاحتضنتهم التحرير لصفوفها بهدوء، فكان لابد من تثقيفها وإعادة تشكيل وعيها سياسيًا وفكريًا. 

كنت يومها بحاجة لرحلة سياحية إلى مدريد لمدة أسبوع على خطوط طيران الهنغارية «الماليف» عبر بودابست، فيما كانت مدريد نفسها مشتعلة بالتظاهرات ضد نظام فرانكو. بدأت اكتشف تدريجيًا الفضاء الأوروبي وخصوصيته وثقافته، تعلمت من مدريد وبودابست وقبلها برلين وبراغ وموسكو، كيف كان العالم يتحرك بخلاف عن جزيرتنا الصغيرة المعزولة وعن فضاء عواصم عربية تتحرك في مجرتها بهدوء وانفجارات مفاجئة. 

عدت من مدريد عبر بودابست فكنت أربعة أيام في ضيافة اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي ورغم قصرها تركت بودابست في داخلي صيف 78 جمالها الخلاب وسحر دانوبها ومعمارها. كان عليَّ استكمال جولاتي لمشاهدة جمال شمال العراق ولكن الظروف لا تتيح لك تحقيق كل أحلامك كشاب، ثمة أيام وساعات أحيانًا وسرعان ما تعود الى بغداد الحارة صيفًا والجافة ليلاً على أسطح تلك البيوت العراقية الحالمة. 

لمدينة الأعظمية نكهتها ولسحر عيون الأعظميات الواسعة جمال خفي جذَّاب لم أكن أتخيله وفي تلك الطرقات عليك أن تبّرد جوفك بعصير الرمان الشهي مثلما كنت في القاهرة أبرده بعصير القصب. 

حملت معي لوقت طويل ذاكرة تلك البساطة الحياتية في مدينتي بغداد والقاهرة وضجيج سكانها وطيبتهم وإنسانيتهم المطحونة بإيقاع الحياة في تلك المواصلات المزدحمة وأنت تستمع لمفردات شعبية مثيرة للضحك والفرح. 

في تلك الشقة ولأسابيع عديدة تعززت صداقتي مع سلمان فيما كان محمود اليماني صغيرًا في السن، ولكن معرفتي بأخيه عوض في البحرين ساعدت على استمرار جسر الاحترام والمرح. 

شلل كثيرة من الصبايا والطالبات البحرينيّات والطلاب كانوا يمرون من خلال تلك الشقة كمركز تجمع واستراحة، فلم تخلُ لحظة الشقة من ضجيج العصافير الطلابية وحكايات الحب الخفية والمعلنة على ضفاف نهر دجلة المجاور. فيما كنا نحن الأكبر سنًا منشغلين بهموم السياسة والثوريات أكثر منهم، دون أن أنسى وهج حماستهم الخرافية العابرة. 

ظل المرض يتعب صوته وينخر في حنجرته بهدوء فيما أبو سلام مسافر لا يعرف الاستسلام في حلم الأغنية، ويفتش له من خلالها قوالب فنية مستمرة ليدمج التراث بالقصيدة والشعر فينقل الأغنية البحرينية الجديدة من نطاقها المحلي إلى أفقها العربي الواسع برفقة «التحفة الزيمانية» التي كان في عروق تلك العائلة يسري عشق الفن والغناء منذ حوش البيت المحرقي في حي بن هندي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها