النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:52PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

لعبة الشيطان

رابط مختصر
العدد 11440 الإثنين 3 أغسطس 2020 الموافق 13 ذي الحجة 1441

  • حفل ساهر كبير يشارك فيه الشياطين، ووليمة جاهزة للأكل في أي وقت

 

ماذا يحدث لو وجد كل منا نفسه فجأة أمام المجهول؟ لو اكتشف أحدنا أن جميع الأسماء التي تدل على شخصيات عاشرناها، وأسماء عرفناها، وأقارب فارقونا جغرافيًا أنهم هباءً منثورًا، وأن «الهاكرز» حفظنا الله من شرورهم هم الذين انتحلوا شخصيات نعرفها، وتمثلوا أسماءً كنا قد تعرفنا عليها في الماضي، وبدأوا في «الشات» معنا على مواقع التواصل الاجتماعي؟

ماذا يحدث لو اكتشف محمد أن زين الدين الذي زامله في الصف منذ الصغر، والذي ظهر له على الموبايل طالبًا صداقته ليس هو زين الدين، وأن شياطين العالم الافتراضي هم الذين سرقوا حسابه، ونهبوا تاريخه، وانتحلوا اسمه، وبدأوا في استدراج صديقه أو زميله أو قريبه لمعرفة بعض المعلومات الشخصية التي يمكن البناء عليها؟

بالتأكيد ستكون الصدمة مدوية، والفاجعة كارثية، والمصاب جلل، وبالتأكيد فإن حرص البعض على التواصل من بعيد استغناءً أو استغفالاً عن المحادثة هاتفيًا يمكن أن يوقع الكثيرين في شرور أعمالهم، وسوءات ما لم يقترفوه من ذنوب، وبالتأكيد سوف يكون الثمن عائلة مستقرة، وسمعة طيبة، وصيتًا ذا فأل حسن. البعض ممن ينتشرون على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فيسبوك وماسنجر وتويتر، وخلافه يضعون صورًا قديمة لهم، ناسين أو متناسين أن هناك من يتربص بهم، وأن الفضاء الرقمي أو الإلكتروني يمكن أن يخبئ لهم ولنا الكثير، ويمكن أن يكون «الهاكرز» المدربين، والمساعدين المخضرمين، والأشرار غير المحترمين، متربصين بما فيه الكفاية بحيث يجعلون من البعض منا لقمة سائغة، حفلاً ساهرًا كبيرًا يشارك فيه الشياطين، ووليمة جاهزة للأكل في أي وقت وأي مكان، وعلى أي موقع.

ذات يوم رأيت إعلانًا لصديق على «الفيس بوك» وهو يصرخ أغيثونا يا خلق الله: لقد سرقوا حسابي، ووضعوا بالنيابة عنه صورًا خادشة للحياء، وأوضاعًا تتجاوز كل حدود الأدب، ساعتها كان لـ«البلوك» فعل السحر على أصدقائه الحقيقيين، فهم لا يريدون أن يشاهدوا صديقهم وهو في أسوأ حال، وهم يخشون أن يلحق بهم ما لحق بصديقهم من تجاوز مخل، واختراق مُحرم، وانتحال لأسماء طالما تندرت بها الصداقات الحميمية، ولطالما رفعت تماثيلها المعنوية فوق هامات الميادين والشوارع والطرقات.

لعبة الشيطان ليست جزءًا من فيلم جديد لجيمس بوند القديم، «شين كونري» الذي سبق عصره وزمانه وأوانه في ستينات القرن الماضي، لقد استبق عبقرية الزمان والمكان بثلاثة أفلام على الشاكلة نفسها، وكر الشيطان، الرجل الشيطان، صاعقة الشيطان، وها نحن اليوم نعيد عجلة الزمان إلى الوراء، بضغطة على الهاتف، حيث لعبة الشيطان، وحيث العفاريت «الزرق» وهم يتجولون بخفة من أمامك على شاشات «موبايلك» الخطير، لكن للأسف الشديد لا أحد منا يراهم، كل ما هنالك أننا نرى كوب ماء وهو يتحرك من دون أصابع تلمس، وكرسيًا يرتفع نحو سقف الحجرة بقدرة قادر من دون سلطان، ثم نرى ما لا يُرى من أشخاص عرفناهم وعاشرناهم، لكننا فجأة نجدهم ينقلبون، يتبدلون، يتكاثرون مثل كورونا على الشبكة الجهنمية المريعة.

هل هم مازالوا مثلما كانوا؟ هل نحن مازلنا نحن؟ ونحن كنا كما كنا؟ أشك، لأن الشيطان الأكبر يلهو بين أصابعنا، يدخل جحيم أضغاث أحلامنا، يحركنا من قريب القريب ونحن نعتقد أن أحدًا لا يقترب من شاشة «الموبايل» الذي لا يفارقنا، رغم ذلك فإن المفاجآت تتوالى، والكوارث تتابع، والفضائح لا تسقط بالتقادم.

كل منا مراقب «بهاكر» بسبع أرواح، فائق السرعة والمهارة والاحتيال، وكل منا مُتابع بقرين يشبهنا في كل شيء ويرافقنا في أي شيء، يضع لمساته على تصرفاتنا لو لم تعجبه، وعلى سلوكياتنا لو أظهرنا الأحسن والأفضل والأكثر تميزًا منها، قرين لا يؤمن بالله، ولا يعرف غير الاختطاف بديلاً، وغير الشيطان رسولًا، وغير الانتحال كتابًا مباركًا ومآبًا مرتبكًا، ومقرًا لارتكاب الموبقات.

كفانا الله شرور أنفسنا، وسوءات أعمالنا، وقرائن سلوكياتنا، ورفقاء دروبنا على شاشات نحن لسنا أدرى بشعابها، وتحت جلد نحن لا نعلم أن الذي يحكه كان من صميم أظافرنا، ومن عميق أوطاننا، ومن تلابيب عاداتنا وتقاليدنا.

لعبة الشيطان، هي لعبة كل يوم وأي يوم، كل ساعة وأي ساعة، أي موقع وكل موقع، كفانا الله شر أنفسنا، ووقانا سبحانه جلّ وعلا من لعبة نحن أضعف من تحمل تبعاتها، وأقل ذكاءً واحترازًا من تجنب هجماتها المرتدة، وتلك التي تباغتنا بها، فالموبايل في مأمن من كل صديق، والشاشة بمعزل عن «ضغطة» بالخطأ أو ضعف تركيز في لحظة تجلي، طالما أن لدينا عقولاً تفكر، وأصابع لا تبصم بالعشرة، وصولات وجولات لا تؤمن أن الشيطان يمكن أن يعيش ملايين المرات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها