النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11487 السبت 19 سبتمبر 2020 الموافق 2 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

آيا صوفيا.. وهل تركيا بحاجة إلى مساجد؟

رابط مختصر
العدد 11440 الإثنين 3 أغسطس 2020 الموافق 13 ذي الحجة 1441

  • الدخول إلى التاريخ وصناعته لا يعني أبدًا التعدّي على الجغرافيا

 

تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد بطريقة مثيرة وسط ضجة تركية رسمية اعتبرها أردوغان فتحًا إسلاميًا وهو ليس كذلك بل على العكس من ذلك، إذ أثار التحويل احتجاجات مسيحية وعالمية كان العالم الإسلامي في غنىً عنها لما ستتركه من آثارٍ سلبية وربما ردّات فعلٍ متطرفة مسيحية ضد المسلمين الآمنين والمقيمين في البلاد المسيحية.

بخطاب شعبوي وحماسي، أعلن أردوغان تحويل آيا صوفيا إلى مسجد ولم يستذكر ولم يعتبر بعبرة إسلامية رائعة تركها للمسلمين الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب عندما تسلم مفاتيح بيت المقدس من البطريرك سفرونيوس، وقال مقولته الشهيرة «لكم مالنا وعليكم ما علينا».

فأين أردوغان من هذه العبارة المسطرة بالمعنى الإسلامي العميق والإنساني في امتداداته وغاياته وأهدافه؟ وأين أردوغان من تراث الخلفاء الراشدين وما تركوه لنا من دروسٍ وعبر وتعاليم مازال المسلمون ينهلون من تسامحها ومن تعايشها ومن إنسانيتها؟

هل خلت تركيا من الأراضي والمساحات لتحتاج إلى تحويل متحف آيا صوفيا التاريخي إلى مسجد؟ أم هو البحث عن شعبوية حماسية انعكاساتها الضارة في العلاقات بين المسلمين والمسيحين أكثر من مجرد ضجيج إعلامي مصطنع ومفتعل لتمجيد شخصٍ بعينه يبحث عن مجدٍ بأسلوبٍ مُستفز للعالم وللعرب والمسلمين في المشرق والمغرب؟

في الوقت الذي يمر فيه العالم بأزماتٍ وتوترات وعصبية ضاغطة لا يحتمل على الإطلاق أساليب تضييع الأمجاد الفارغة من مضمون أو من أهداف تصب في صالح الناس من كل الأجناس ومن كل الأديان، ولا يحتمل استفزازات المكاسب شخصية باهتة ومهزوزة عبر مشاريع لا تنتج ولا تطرح سوى الضجة إعلاميًا والغضب شعبيًا من احتمالات مضاعفة التوترات العامة بين المكونات وبين الأديان.

مشكلة شخصية كشخصية أردوغان هي البحث عن زعامة خارج حدودها، وهي مشكلة تعود بكوارث أولاً على وطنها ومواطنيها وثانيًا على الشخصية نفسها التي تندفع بلا ضوابط ولا فرامل لتصنيع زعامتها على رمالٍ متحركة سرعان ما تنهار بها.

الدخول إلى التاريخ وصناعة التاريخ لا يعني أبدًا التعدّي على الجغرافيا أو إعادة ترسيم الجغرافيا وفق أهواءٍ شخصية في ذات متضخمة حدّ الانفجار.

والأهواء الشخصية لا مكان لها في قاموس السياسة والإدارة السياسية، فهناك معادلات وهناك حسابات معقدة وتوازنات مفترضة وشعوب مؤثرة وواقع له أحكامه.

فالقذافي حلّق في أوهام أهوائه بعيدًا وبعيدًا جدًا، فظن أن الوفود التي تقاطرت على خيمته قد ملكته زعامة العالم الموهوم، ليصحوا ذات يوم على فجيعة كان أول من خان وغدر به من زاره في خيمته ومن سايره في أهواء أوهامه.

والتحولات التي شهدها عالمنا كبيرة ومهمة، فالشعبية التي تبحث عنها بعض الزعامات لا تصنعها ولن تصنعها لهم اليوم أساليبهم ومعالجاتهم وصراخهم الشعبوي والحماسي المتقد كلامًا والمتخم شعارات، فالزمن تحول وتغير وتبدل، فتبدلت معه وتحولت معه المعايير والتقييمات وما كان سائدًا في عهودٍ مضت وانقضت واعادت له سوق بين الجيل الجديد أو الجيل الحالي.

لكن البلادة السياسية المتجذرة فيمن امتطى موج السياسة بالصدفة لا تجد من أسلوب لتلميع زعامتها وإبراز أهوائها سوى باستعارة تلك الأساليب التي أكل عليها الدهر وشرب، وما عادت تمشي وإن كان الناس يستمعون إليها ويبتسمون داخلهم ثم يغادرون المكان بسخرية من هكذا تصنيع مفتعل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها