النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11489 الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 4 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

أبا سلام.. نشيج البيانو والقيثارة 1/‏3

رابط مختصر
العدد 11436 الخميس 30 يوليو 2020 الموافق 9 ذي الحجة 1441

  • منحت أجواء الحريات والانفراج في العراق مناخًا سياسيًا إيجابيًا للقوى الوطنية البحرينية

 

«هل ابتسمت عندما سمعت طرقًا فوق الباب؟ فلو أنه الموت – فإنه يأتي في المقام الثاني. فالحرية دائمًا تأتي أولاً». يانيس ريتسوس.

ظل لسنوات عديدة أبا سلام مع مرض اللوكيميا ينتظر لحظة مداهمة الموت، غير أنه كان يؤجل ذاك الرداء اللعين ويلتفت للحياة بفرح الغناء والعزف. من يعرفونه كانوا يتعجّبون من تفاؤله وعمق الأمل للحياة، فهو لم يلتقِ إنسانًا دون أن تكون الابتسامة على وجهه. يبعث فيك لحظة من لحظات السعادة ثم يرحل منشغلاً ببرامجه الكثيرة والمتنوعة، فهو متعدد المواهب خصب المخيّلة، حيوي للغاية يتقافز كالطير من مكان الى مكان ساعيًا أن ينهي مهمّات معلقة يخشى أن تكون بلا نهايات سعيدة. بتلك المثابرة الحياتية المندفعة كان غزير الإنتاج والعمل رغم تردّده بانتظام على أروقة المستشفى لمتابعة حالته الصحية. كان بحاجة لإرادة قوية وتحدٍ كبير تسعفانه على استكمال مشواره الفني والحياتي. 

لم أكن قط منذ أن عرفته غاب عن عيني، حيث لابد أن أسأل عنه الأصدقاء الذين كانوا من حوله هذا إذا لم أجد فرصة بسبب حلكة الحياة والغربة الالتقاء به شخصيًا. لكل منا قراءة ومعرفة مختلفة بسر وجوهر الأصدقاء، فقد ربطتنا قداسة الدرب ذات يوم وطهرانية الأفكار المشتركة دون أن يكون حولها ومعها ضجيج بمكياج مبتذل. 

غياب أبي سلام يستدعيني أن أفتح جزءًا من تلك الذكريات الجميلة والنبيلة وكيف التقينا وأين ومتى كانت الانطلاقة الأولى لتلك العلاقة الرفاقية والإنسانية المبكرة من عمر الشباب. 

منذ أكثر من أربعين عامًا، وتحديدًا في صيف عام 1978، كان عليّ في ذلك الصيف أن أطير الى بغداد بدلاً من بيروت أو دمشق لمقتضيات ومهمات سياسية، فقد أصبحت بغداد بعد تلك العواصم العربية مركزًا مهمًا للمعارضة البحرينية، فقد نقلت جبهة التحرير مكتبها وموقعها لعاصمة الرشيد بعد أن تحولت دمشق لمكان صعب وبيروت مدينة تحترق بالاقتتال بين الفصائل السياسية في حرب أهلية طاحنة. يومها كانت بغداد في مناخ وطني مختلف يزدان بالجبهة الوطنية بين الشيوعيين والبعثيين! فأسهم هذا الوضع السياسي في تسهيل مهمات حركات التحرر الوطني العربية بما فيهم الجبهتان، الشعبية والتحرير الى جانب البعث الموالين للعراق. 

منحت أجواء الحريات والانفراج في العراق مناخًا سياسيًا إيجابيًا للقوى الوطنية البحرينية وبالذات الطلبة، الذين وجدوا في العراق في تلك المرحلة مرفأ للإقامة والعبور نحو بلدان المعسكر الاشتراكي إبان عطلات الصيف الدراسية، فكنت ترى جماعات طلابية من كل المناطق والتيارات في نقاشاتها الساخنة وبحيوية وتطرف الأعمار الطلابية والشبابية. 

في هذا الربيع والزمن الطلابي اختار سلمان زيمان بغداد مثلما اختارته المدينة ليتشكل فيها وعيه المبكر وخياراته المتحولة، دون أن ينسى أهمية الاستفادة من عاصمة الرشيد كمنهل ثقافي.

 في هذا الزمن من صيف عام 1978 كانت منطقة راغبة خاتون ملاذ بو غسان السكني الى جانب كل المهمات السياسية التي تحققها شقة متواضعة لحركات تحرر وطني. 

من تلك الشقة بل ومن كل شقق «الحرية» في العواصم العربية كان الطلبة يتكدّسون وكأنهم في حافلة مكتظة بالركاب وهم ذاهبون للريف البعيد. كنت تجد العشرات من المجموعات الطلابية التي تتردد على شقق «الحزب» المتنوعة، المعروفة والخفية لأغراض سرية ومعلنة. 

في بغداد بعد رحلة الطريق من المطار وجدت نفسي ولا أعرف كيف حدث ذلك ضيفًا في شقة طلابية في مدينة الأعظمية، فلفتت نظري تلك القيثارة النائمة على سرير بدا مهجورًا من سنوات، فيما كانت الغرفة الأخرى تزدحم بلوحات ورسوم فنية وأصباغ زيتية فقلت في نفسي يبدو أنني في شقة فنانين، غير أن الحجرة الثالثة والتي كان يسكن فيها علي البنعلي من الحد بدت أكثر ترتيبًا، حيث شرح لي البنعلي أن من يعيش في غرفة الأصباغ تلك، طالب اسمه محمود اليماني، بينما صاحب تلك القيثارة سلمان زيمان طالب من المحرق. كان للشقة صالة واسعة وسطح داخلي يجعلك في صيف الأعظمية تلمس النجوم وتسمع من هناك موج النهر، نهر دجلة وتحلّق الطلاب وثرثرتهم في سطح تلك الشقة /‏ النادي، حيث ظلت أمطار الفرح تهطل دون وقوف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها