النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:52PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

الله يجازيك يا زمان...

رابط مختصر
العدد 11435 الأربعاء 29 يوليو 2020 الموافق 8 ذي الحجة 1441

 أتذكر أني كتبت مقالاً بنفس العنوان أعلاه قبل أكثر من ثلاث سنوات، إلا أن التناول في المرة الماضية كان من زاوية أخرى مغايرة لها علاقة بالصيد غير القانوني والصيد الجائر. أسعار السمك أصبحت اليوم حديث الناس من كل الطبقات الاجتماعية وشغلهم الشاغل. وإنه لأمر مستغرب ولا يحتمل أن يكون البحريني غير قادر على تناول وجبة سمك واحدة في الأسبوع، ليس بدواعي الصحة والتنويع في أكل اللحوم فحسب، وإنما لأننا ببساطة شعب جزيري أدمن أكل السمك، لا نستغني عن استهلاكه طازجا، ونتفنن في إعداد صنوف من الأطباق اللذيذة منه تكون مدعاة إلى أن نتفاخر بها؛ لأنها جزء أصيل من تراثنا اللامادي الذي نرجو أن يجد من يحوّله إلى مكون من مكونات التراث الإنساني المسجل في منظمة اليونسكو.

 إدمان أكل السمك ومنتوجات البحر الأخرى، مع الأسف الشديد، يعمينا أحيانًا عن ذهاب صائديه ومن ثم من يبيعونه لنا بعيدًا في المغالاة بأسعاره حتى باتت هذه الأسعار مثار شكوى ليس للفقراء من الناس وإنما حتى المقتدرين منهم. المبالغة في أسعار السمك واضحة ووصلت إلى أقصى الحدود التي يمكن أن تصل إليها إرهاقا لجيب المواطن، بحيث بدأ المواطنون يجأرون بالشكوى من هذه الأسعار غير الواقعية، وصار الحديث حول الأسعار مادة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي وبات الأمل يحدوهم بأن تتضافر جهودهم جميعا لاتخاذ موقف موحد ضد البائع الجشع بمقاطعة شراء السمك تحت عنوان «خلي السمك عنده يخيس»، الأمر الذي يفرض علينا أن نلفت نظر المعنيين بالأمر لينظروا في المسألة؛ لأن مقاطعة شراء السمك ليست بالخيار المناسب فهو مادة استهلاكية مهمة. أسعار السمك لا تطاق وينبغي اتخاذ تدابير لجعل هذه المادة الاستهلاكية في متناول كل الطبقات الاجتماعية. 

 من مآثر شاعر البحرين الكبير المرحوم عبدالرحمن رفيع أنه ترك في ذاكرة معاصريه فضلاً عن مجايليه بيتا من شعر شعبي لا نحتاج إلى العودة إليه مكتوبًا لنتذكره ونستذكر طرافته، وإنما رَسَخَ في الذاكرة الجمعية منحوتًا لا يبارحها. شخصيًا أردد في داخلي هذا البيت كل أسبوع، وخاصة هذه الأيام عند كل دخولي إلى سوق السمك. يقول شاعرنا الكبير في بيته البديع موثقًا سعر سمك الشعري: «الله يجازيك يا زمان الشعري الربعة بثمان». المرحوم الشاعر عبدالرحمن رفيع كتب في بداية السبعينات أو العام الأخير من الستينات يعاتب زمانه على وصول سعر سمك الشعري إلى ثماني «روبيات»، فهل كان يدور في خلده أو في مخيلة مجايليه أن يصل سعر «الشعري» إلى أكثر من أربعة دنانير، أي أربعين «روبية»، وأن الصافي ستين «روبية» والهامور بين السبعين والثمانين «روبية» وأحيانًا أكثر؟! 

 لا أتحدث هنا عن تغيرات الأسعار الموسمية، وخصوصا في فصل الشتاء القارس، وفي فصل الصيف القائض، مثل هذا الذي نعيش أيامه المرهقة، التي لو أضيف فيها زيادة دينار أو حتى دينارين أحيانًا على السعر، فهذا التغيير نحن نتفهمه و«متعودون» عليه ونقبله أيضًا، لكني أتحدث عن الاستمرارية في بقاء الأسعار على ارتفاعها. ويبدو لي أنه كما حدث مع سمك الهامور الذي قفز سعره دفعة واحدة إلى تسعة دنانير للكيلو الواحد قبل فترة ليبقى سعره في حدود السبعة دنانير لا يهبط دونها، كذلك ما حدث مع بقاء سعر سمك الشعري عند ثلاثة دنانير بعدما بلغ خمسة دنانير. فإننا نخشى أن يأتي الدور على سمك الصافي، إذ ها هو منذ فترة لم يتزحزح سعره نزولا قيد فلس واحد ليهبط دون خمسة دنانير.

 نقر بأنه من غير المعقول ولا المنطقي أن تبقى الأسعار ثابتة مدى الدهر، فهذا لا يتوافق مع آليات السوق، فالسمك كأي سلعة من السلع الاستهلاكية تخضع أسعارها لقانون العرض والطلب، لكن لأن السمك مادة غذائية رئيسة في البحرين، مثل اللحوم الأخرى ينبغي تحديد سعرها، وإن تعذر ذلك فضبطها على أقل تقدير بهامش أسعار يُحدّد السقف الذي لا ينبغي أن تتجاوزه، لوقف انفلاتها غير المنطقي وتكثيف الرقابة عليها في أماكن بيعها، في الأسواق المركزية وفي الدكاكين؛ لأن الكثير من الباعة، وأغلبهم من الجالية الآسيوية، يعمدون إلى الغش في بيع السمك وذلك بخلط السمك الطازج الذي يشترونه من الصيادين مع السمك القديم غير الطازج ليباعا معًا بسعر الطازج، فيدفع الشاري من جيبه وربما من صحته الثمن مضاعفا. 

 شيء من الرقابة على أسعار السمك عند بيعه مطلوب لحماية المستهلك، وضمان توازن السوق فلا إفراط ولا تفريط؛ ليجد الصياد هامش ربحه ويظفر البائع بهامش ربح معقول، ويتمكن المواطن والمستهلك عامة من ضمان استمرارية حضور طبق السمك على مائدة طعامه من دون أن ترهق ميزانيته أو أن تثقل عليه شهوة أكل السمك فيصبح لها من المطلقين الهاجرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها