النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11488 الأحد 20 سبتمبر 2020 الموافق 3 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

بريطانيا وتطوير حقوق الإنسان بالدبلوماسية الهادئة

رابط مختصر
العدد 11435 الأربعاء 29 يوليو 2020 الموافق 8 ذي الحجة 1441

  • تميل بريطانيا إلى هذا المنهج الدبلوماسي وتعتقد أنه الوسيلة الأفضل لتطوير حقوق الإنسان

 

يعج المجتمع الحقوقي الدولي من دول ومنظمات غير حكومية بالعديد من المناهج والأساليب فيما يتعلق بالترويج لحقوق الإنسان، والارتقاء بها، غير أن السمة الغالبة لتوجهات هذه الجهات الحقوقية الدولية يميل إلى الخشونة وأحيانًا المجابهة، وإلى توجيه الانتقادات الحادة.

بيد أن هناك من يعتقد بأن الضغوط والمواجهات قد لا تثمر، وأن الدبلوماسية الهادئة لها من القدرة على الإبحار في لجج قضايا حقوق الإنسان الشائكة، بما يكفل لها النجاح والوصول إلى بر الأمان، بأكثر مما تستطيعه سفن التشنيع والتهديد والوعيد.

تميل بريطانيا بنسبة كبيرة إلى هذا المنهج الدبلوماسي الهادئ وتعتقد أنه الوسيلة الأفضل لتطوير حقوق الإنسان. ولربما كان تاريخها خلال (الحقبة الاستعمارية) قد أتاح لها فرصة الاحتكاك المباشر بمختلف الثقافات والحضارات على امتداد المعمورة، كما أتاح لها معرفة خصائص الشعوب والأعراق المختلفة، سواء كان ذلك من ناحية تكوينها الوجداني أو قناعاتها الفكرية والروحية.. فأدارت مصالحها عن طريق نهج دبلوماسي يراعي في كثير من الأحيان خصائص الطرف المقابل، ويتجنب مزالق المساس بما يثير حساسياته أو يبث الشكوك لديه.

هذا النهج هو ما كتب عنه وزير الخارجية البريطانية الأسبق (فيليب هاموند) بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان في ديسمبر 2015، في مقالة نشرتها آنذاك صحيفة (الإندبندنت) بعنوان (الترويج لحقوق الإنسان ليس منافسة ينتصر فيها الأعلى صوتًا).

هدف المقال هو شرح سياسة بلاده الحقوقية، والدفاع عنها مقابل الانتقادات التي ظهرت في البرلمان والصحافة.

الوزير أكد التزام بلاده القوي بحماية حقوق الإنسان، وقال إنها تقوم بذلك عبر مقاربات ثلاث:

الأولى، التركيز على الجهود التي من شأنها أن تثمر نتائج ملموسة؛ فالتفاعل الهادئ والمستمر خلف الكواليس، الذي يسمو بالعلاقة ولا يخشى من إثارة قضايا ذات حساسية وراء الأبواب المغلقة يمكن ـ في بعض الأحيان ـ أن يحقق نتائج مذهلة، إذ إن توجيه الانتقادات علنًا لا يجدي دائمًا، بل من الممكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية.

وأضاف: «لا يعني عدم إثارة الحكومة البريطانية الضوضاء بشأن قضية ما، أنها لا تعمل بجد لمعالجتها بصورة أكثر خصوصية، فالأمر في النهاية يتوقف على اختيار ما نرى أنه الأصلح لتحقيق النجاح، أو تغيير الأوضاع بما يواكب ما نسعى إليه».

المقاربة الثانية شرحها الوزير هاموند على هذا النحو: «إننا نحقق تقدمًا أكبر في مجال حقوق الإنسان على نطاق العالم.. حينما يكون توجهنا جذابًا للآخرين، ولمصلحتهم الذاتية المستنيرة، ومراعيًا في الوقت ذاته لحساسيتهم الثقافية والتاريخية. باختصار، فإن علينا أن نقنع الدول والحكومات بأن احترام حقوق الإنسان سيعود عليها بالمنفعة».

أما المقاربة الثالثة فتقوم على بناء قدرات موظفي وزارة الخارجية في المجال الحقوقي، وهنا يقول: «لقد أعطيت مكانة لموضوع حقوق الإنسان في العمل اليومي لوزارة الخارجية، ولقد أصبح اكتساب الخبرة في مجال حقوق الإنسان جزءًا أساسيًا من التدريب الذي يتلقاه موظفو الوزارة». وأكد الوزير هاموند بأن موضوع حقوق الإنسان لم يعد محل اهتمام واختصاص مجموعة من الخبراء في حقوق الإنسان داخل وزارة الخارجية، وإنما هو من صميم عمل كل دبلوماسي بريطاني.

ولقد ظل هذا النهج البريطاني القائم على التفهم العميق لخصوصيات الوضع الجيوسياسي والاجتماعي في منطقة الخليج عامة والبحرين خاصة، الأصل المتبع في قضايا سياسية، وكذلك في تعاطي بريطانيا مع ملفات حقوق الإنسان في المنطقة. ففي الوقت الذي تتعالى فيه، على سبيل المثال، أصوات الاستنكار للادعاءات الحقوقية، والدعوات لتشديد الضغط على البحرين، نجد بريطانيا تتخذ منحىً براغماتيًا فتدخل في حوار مع البحرين، وتقدم لها المشورة والمساعدة في جوانب حقوقية مختلفة، بغية تأسيس بنية حقوقية قادرة في المستقبل على حماية حقوق الإنسان. وهي إذ تقوم بذلك، في مشاريع متعددة مشتركة، لا تجد ضرورة لرفع الصوت أو تشديد النكير والتشهير.

وكانعكاس لهذه السياسة البريطانية، فقد كان لها تصنيفها الخاص للدول في تقاريرها الحقوقية الدورية الصادرة عن وزارة خارجيتها. فمثلاً، صنفت التقارير البريطانية البحرين في خانة الدول ذات الأولوية، وهي درجة تنطوي على اعتراف بحدوث تقدم ملموس في الدولة المعنية، وبوجود شواهد على إمكانية المزيد من التحسن مستقبلاً، والاستعداد للتجاوب مع أية جهود خارجية مخلصة للمساعدة في هذا الشأن.

وغني عن القول، فإن موقف الحكومة البريطانية هذا، قد ووجه بانتقادات داخلية وخارجية، معظمها بدوافع وأغراض سياسية. لكن ظلت وزارة الخارجية البريطانية على موقفها ومنهجها في معالجة أوضاع حقوق الإنسان في الدول المعنية. وواجهت الانتقادات بالشرح والتوضيح داخل ساحة البرلمان البريطاني، كما قاومت ضغوط كبريات المنظمات الحقوقية الدولية والصحافة المحلية والعالمية في هذا الشأن.

لا غرو إذن القول إن بريطانيا تتفهم أوضاع المنطقة الخليجية عامة، ولديها من الإدراك لثقافتها الخاصة، وتوجساتها، إذا ما قارناه بالذهنية والرؤية الأمريكية.

ولا غرو أن تتوثق العلاقات البحرينية البريطانية، وأن تشعر دول الخليج بالارتياح في العلاقة مع لندن، وهي علاقة ثابتة مستقرة إذا ما قيست بالزوابع في العلاقات مع واشنطن التي تبدو في كثير من الأحيان مقادة بقدر غير قليل من الجهل بأوضاع المنطقة وبالسذاجة السياسية في أحيان كثيرة.

ليس وجود أنظمة ملكية فقط هو ما يجمع بريطانيا مع البحرين ودول الخليج الأخرى، بل هناك مصالح ورؤى مشتركة، وفهم عميق من كلا الطرفين للآخر، ما يرتب ثقة كبيرة لم تتخلخل طيلة العقود الماضية.

وليست وحدها العلاقة التاريخية بين البحرين والمملكة المتحدة، السبب الوحيد الذي دفع البحرين لطلب الدعم الفني من حليفها التاريخي، في تحديث مؤسساتها الحقوقية وما يتعلق بها.

لا شك أن العلاقة التاريخية تلعب دورًا في تعزيز الثقة، لكن ما ترتب على العلاقة التاريخية، هو فهم بريطاني أفضل لواقع منطقة الخليج، وسكانها، وثقافتها، وكيفية إجراء الإصلاحات فيها.

وينظر الخليجيون إلى الولايات المتحدة، كصديق متهور، لا يفقه في التاريخ ولا الثقافة، بقدر ما يرى فرض الأمور، وبالشكل الذي يؤدي إلى فوضى بدلاً من الإصلاح والتحديث.

ولهذا السبب تحديدًا، فإن البحرين قبلت المساعدة الفنية من بريطانيا لدعم مشروعها الإصلاحي، وتطوير المؤسسات التي انبثقت منها في مجالات متعددة؛ حقوقية وسياسية وأمنية وتشريعية وغيرها.

ومنذ مطلع العام 2000 شهدت البحرين تحولاً سياسيًا في بنية النظام السياسي، تبعه تحولات كبيرة عدّة في جوانب سياسية وقضائية واجتماعية واقتصادية وثقافية وغيرها، اعتبرت بداية انطلاقة في (مشروع إصلاحي) تبنّاه عاهل البلاد حفظه الله.

فكان من الطبيعي أن تسلط التقارير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الضوء على تلك الإصلاحات، وتقييمها من خلال قراءة التغييرات التي حدثت في قضايا متعددة مثل: حرية التعبير السياسي والديني والإعلامي، والتعددية الدينية، وحرية تشكيل الجمعيات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وتطور القضاء والتشريعات، والعملية السياسية الانتخابية، ودور المرأة، وحقوق الإنسان، وغيرها من القضايا.

وما يؤكد هذا الاهتمام، هو أن تقرير وزارة الخارجية البريطانية الحقوقي الذي صدر في 16 يوليو2020، تركّز بشكل كبير على تلك الإصلاحات الهائلة التي تحققت في المملكة خلال العقدين الماضيين.

إذن القراءة التاريخية والمستقبلية، قادت البحرين الى تعزيز علاقات استراتيجية مع بريطانيا في مجالات مختلفة، مثل تقديم تسهيلات عسكرية لبريطانيا، والاستفادة من خبراتها في مجالات التعليم والأمن وحقوق الإنسان وغيرها. وقد بدأت فعلاً بصورة مكثفة تنفيذ مجالات التعاون تلك منذ سنوات عديدة في اطار (اللجنة المشتركة البريطانية البحرينية) التي بذل الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير الخارجية السابق دورًا أساسيًا في تأسيسها وإنجاحها، كما يبذل اليوم وزير الخارجية الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، وكذلك سفير جلالة الملك في المملكة المتحدة الشيخ فواز بن محمد آل خليفة، دورًا مهمًا فيما يتعلق بالقرارات التي يتم اتخاذها ووضعها في إطار برامج عملية متعددة.

من هنا نفهم التصريحات الصادرة من داوننغ ستريت، والخارجية البريطانية، التي تؤكد على العلاقة التاريخية بين البلدين، والتي تمتد إلى أكثر من مائتي عام، في إشارة إلى الثقة بين البلدين، وإلى تقدير المنهج الإصلاحي البحريني الذي يعزز قوة الدولة، ويرسخها ويحمي حقوق المواطنين من خلال قوانين عصرية ومؤسسات مدنية.

ومن خلال تجربة شخصية عمرها نحو ثلاثة عقود، فقد تبيّن لي - من خلال عملي في سفارة جلالة الملك في لندن كمستشار في حقوق الإنسان وتواصلي مع الجهات السياسية والحقوقية البريطانية - أن هناك في المقابل إصرارًا بريطانيًا على علاقة متميزة مع البحرين، لا يغيّر من ذلك تغيّر الأحزاب الحاكمة، فالاستراتيجية واحدة، والهدف واحد أيضًا، وهو ما تذكره الخارجية البريطانية، تثبيت وضع البحرين دولة مستقرة وإصلاحية، ذات سجل جيّد في مجال حقوق الإنسان، والمساعدة في تأسيس عدد من مؤسسات حماية حقوق الإنسان، مثل الأمانة العامة للتظلمات، ومفوضية حقوق السجناء والمحتجزين، والمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، ووحدة التحقيق الخاصة.

تحليل للتقرير البريطاني المذكور يلخص مضمونه في النتيجة التالية:

في البحرين توجد إرادة سياسية حقيقية وجدية، وانفتاح من قبل المسؤولين عند بحث أوضاع حقوق الإنسان في البلاد.

بريطانيا رصدت الجوانب الإيجابية في الرغبة الواضحة لدى السلطات البحرينية للانخراط في العمل في مجال حقوق الإنسان على العديد من مستويات الحكم.

قيام البحرين باتخاذ الخطوات القانونية، والمؤسسية للتصدي ومعالجة التجاوزات الفردية التي تحدث.

تأكيد السلطات البحرينية على التزامها بشأن تطوير ملفها الحقوقي إلى الأمام، وجهود حقيقية مستمرة في مجال تدريب الكوادر وبناء القدرات بالاستعانة بالخبرات الحقوقية الدولية من أجل إيجاد الآليات اللازمة لتحقيق الدعم والحماية لحقوق الإنسان.

إن جهود المؤسسات الرقابية الحقوقية تعتبر ضرورية لأية عملية تستهدف تحقيق العدالة ودعم سيادة القانون وحماية حقوق الانسان.

إن هذه الجهود تتسم بالجدية التامة ويسفر عنها نتائج حقيقية وملموسة بالشكل الذي يؤكد عمليًا وبصورة مقنعة بأنها تتصدى للحيلولة دون وقوع انتهاكات، وأنها تتخذ الإجراءات الحاسمة اللازمة في حالة وقوعها لضمان تحقيق العدالة.

التأكد من الاستقلالية للعاملين بتلك المؤسسات الرقابية لضمان التزامها بالحيادة والعدالة في ممارسة مهامها بما يكسبها ثقة جميع فئات المجتمع البحريني. 

وأخيرًا، لابد من الإشارة إلى الدور الحيوي لسفارة جلالة الملك في المملكة المتحدة فيما يتعلق بالمضمون الإيجابي للتقرير البريطاني.

فقد ضاعفت السفارة من نشاطها الحقوقي في عام 2019 وهي الفترة التي يغطيها التقرير البريطاني، من خلال وفرة من النشاط والتحركات الدبلوماسية وغيرها.

وكانت السفارة في قلب كثير من القضايا الحقوقية، وكانت تبذل جهودًا تتواءم مع الاتجاه السياسي العام في البلاد، بما يخدم مصالح المملكة، ويدافع عن كيانها.

وكان السفير معالي الشيخ فواز بن محمد آل خليفة وجميع فريقه طاقة لا تهدأ، ويبذلون الجهد المضاعف بالعمل المتواصل، والمتابعة الدائمة من أجل تحقيق النجاحات التي انعكست في التقرير البريطاني.

وكان السفراء والدبلوماسيون والإعلاميون العرب والأجانب، ومسؤولو المملكة المتحدة، وأحزابها، وإعلامها، وأعضاء البرلمان، والمؤسسات الحقوقية فيها، شعروا بتلك الطاقة من خلال الحركة والنشاطات واللقاءات التي لم تتوقف. وكان من البديهي أن يحدث مثل هذا الجهد الواسع فرقًا في التأثير الإيجابي في تقرير وزارة الخارجية البريطانية السنوي عن حقوق الإنسان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها