النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11560 الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

اختلفت المعطيات فهل نراجع السياسات؟

رابط مختصر
العدد 11434 الثلاثاء 28 يوليو 2020 الموافق 7 ذي الحجة 1441

  • من الضروري لتحديد شكل مستقبلنا لابد من إعادة النظر بصورة شاملة في التحولات التي حصلت

 

نجحت دول الخليج العربي بشكل متفاوت في بناء سياسات ومؤسسات عززت من مشاريعها التنموية والسياسية بناءً على معطيات مرحلة التأسيس الممتدة منذ تسلمت الأسر الحاكمة الحكم في الخليج في القرن الثامن عشر (باستثناء أسرة آل ثاني التي طرأت على الحكم في نهاية القرن التاسع عشر) وصولاً لمرحلة البناء الحديث الذي انطلق مع الاستكشافات النفطية بكميات تجارية. وقتها كانت المعطيات التي على أساسها رسمت كل تلك السياسات مختلفة بشكل كبير على ما هي عليه اليوم، سواء بشكل واسع يشمل الدول العربية كما ذكر د. بشير زين العابدين في كتابه الاستراتيجي المهم «إدارة المشاريع السياسية في عالم عربي متحول»، أو بشكل جزئي كما تطرّق هذه الأيام الكاتب يوسف البنخليل عبر سلسلة مقالات بخصوص بروز جيل ليبرالي خليجي يختلف فكريًا عن المجتمع الخليجي السابق. 

لذلك لابد لنا من معرفة هذه التحولات وما تشمله من تحديات لكي نعيد النظر في منظومة السياسات التي نعمل حاليًا من خلالها ونعيد رسمها بشكل يتعاطى مع الواقع الحالي لا مع المعطيات السابقة. وإن تصوّرنا أن المعطيات عبارة عن هرم تتراكم عليه العناصر التي تشكل المجتمع الخليجي نستطيع أن نعطي لكل منها مساحة في الهرم وبناء عليها نرسم السياسات المتناسبة مع هذه المعطيات وهذا بالفعل ما قامت به دول الخليج العربي ونجحت بشكل كبير في تحديد هذه المعطيات ورسم السياسات الأنسب لها وفق الإمكانيات المتاحة. إنما اليوم انقلب الهرم وتغيرت معه المعطيات فإن لم ندرك ذلك سنستمر بالسياسات القديمة التي كانت تناسب معطيات مختلفة وحتمًا لا تناسب التحولات الحالية وهذا يشكل هدرًا كبيرًا للموارد والجهد في الاتجاه الخاطئ. 

التحولات التي طرأت كثيرة لكن لو حصرنا أهم ثلاث متغيرات فهم، الاقتصاد، الكثافة السكانية والهوية، ولكل واحدة منهم تشعبات عديدة تحتاج لدراسات معمقة. إنما هذه الأمثلة الثلاث وبشكل عام من غير التعمق فيهم يشكلون تهديدات استراتيجية خطيرة وفي نفس الوقت مصادر قوة ممكن الاستفادة منهم وتحويلهم لمقومات ايجابية لو أحسنا التعامل معهم. 

كان المجتمع الخليجي معروفًا بقلة السكان والموارد الاقتصادية الكبيرة بسبب النفط وهويته المحافظة برغم انفتاحها على الآخرين. لذلك استطاعت الدول الخليجية أن تموّل النمو الاقتصادي وبناء منظومة مريحة للمواطنين سواء عبر فرص العمل في القطاع العام او برامج الدعم المباشر وغير المباشر التي تعتمدها الدول الريعية وبشكل أكثر من أي دول أخرى وتشجيع النمو السكاني الذي يسرع من عجلة التنمية وجذب العمالة الوافدة بأعداد كبيرة أيضًا لتسريع المشاريع التنموية. أما اليوم فهناك كثافة سكانية عالية واختلال كبير في سوق العمل لوجود عمالة وافدة تشكل أكثر من نصف السكان في ظل تقلبات كبيرة في أسعار النفط وتراجع ملحوظ لأهميته عالميًا مع كثرة العرض وتراجع الطلب. 

في البحرين على سبيل المثال ارتفع عدد السكان من تقريبا 160 ألف نسمة في بداية الستينات ليصل حاليًا الى أكثر من مليون وسبعمائة ألف نصفهم أجانب. لذلك يجب أن نسأل أنفسنا هل مازلنا نستطيع تحمل تكلفة تمويل بناء مجتمعين موازيين لكل منهم حاجة لبنية تحتية تختلف عن الآخر؟ هل مازلنا نحتاج أن نوجه مواردنا لتمويل ذات المشاريع التنموية وبنفس الأدوات من عمالة وافدة (غير ماهرة وغير متخصصة) بأعداد كبيرة أو أصبحنا نحتاج أن نوجهها لبناء اقتصاد مختلف يخلق فرص عمل مناسبة لأبناء الوطن من الخريجين الجامعيين على سبيل المثال؟ هل نستطيع أن نستفيد من تنويع مصادر الاقتصاد غير النفطي في غياب نظام للضرائب على الدخل أو أرباح الشركات؟ وغيرها العديد من الأسئلة المهمة التي تساعدنا على فهم شكل الهرم الحالي وتحديد السياسات التي تتناسب معه لا التي تناسبت مع الهرم السابق. 

أما المهدد الأكبر فيتمثل في أن الاجيال التي عاشت في حدود الهوية الخليجية وما عرفت به من عادات وسلوم وانتماء لبيئتهم ستصبح قريبًا أقلية تواجه صعوبة في التواصل مع الأجيال الأصغر سنًا وتحديدًا جيل الألفية Millennials (مواليد الفترة ما بين الثمانينات لغاية 2000) وجيل ما بعد الألفية Z (مواليد الفترة بين 2000 لغاية 2015). فالأجيال السابقة نشأت في بيئة محافظة في عاداتها وتعرف هويتها برغم انفتاحهم على الثقافات الأخرى إنما الجيلان الأصغر فهم بحكم نشأتهم في فترة مختلفة توفرت فيها وسائل تواصل لم تتوفر لغيرهم فأصبحوا أكثر معرفة وقربًا للمجتمع الأمريكي مثلاً من مجتمعهم الخليجي ويعرفون تفاصيل الثقافة الغربية بشكل أكثر دقة وعمق من معرفتهم بتفاصيل مجتمعهم. ولنا أن نتصور حجم المهددات التي تأتي مع ذلك أن لم نمتلك مشروعًا شاملاً لبناء هوية وطنية أكثر تماسك واستمرارية وقابلة للانفتاح على الآخر وتقبل الاختلافات وتشجع على التنوع إنما تشترك في انتمائها الوطني وتقف على أرضية واحدة تقوم عليها مرتكزات واحدة تميزهم عن المجتمعات الأخرى، وبالعكس من ذلك لو تمكنا من بناء هوية وطنية شاملة تستوعبهم وتمكنهم من تحقيق تطلعاتهم فحتمًا سيكون هذان الجيلان من أهم مقومات نجاح وتطور منطقتنا في المستقبل القريب. 

الانفتاح على الثقافات الأخرى مكسب وسمة عرفت بها المجتمعات الخليجية عمومًا وخصوصًا البحرين إنما ما يحصل الآن هو انفتاح جيل لم يتشبع بعد بالهوية الخليجية ولابد لنا من الاهتمام بهم وتفهم احتياجاتهم وطريقة تفكيرهم وتوجهيها بما ينفعهم وينفع أوطانهم فمن لا يعرف تضحيات الأجيال السابقة وتاريخ المنطقة سيصعب عليه البناء على ما تحقق وسيعتقد أن أفضل وسيلة لتحقيق التقدم هو هدم الموجود وإعادة البناء وهذا للأسف ما حصل في عدد من الدول التي واجهت إعصار التدمير الذي سمي بالربيع العربي واليوم يعضون أصابع الندم على ما فات. فتعزيز الهوية الوطنية يعني تعزيز ثقافة البناء التراكمي والإصلاح الذاتي إنما غيابها في ظل انفتاح غير منضبط يعني تعزيز ثقافة الهدم من أجل التقليد غير الواقعي. 

لذلك من الضروري لتحديد شكل مستقبلنا لابد من إعادة النظر بصورة شاملة في التحولات التي حصلت وإعادة النظر في كل سياساتنا ورسم سياسات جديدة تتناسب مع المعطيات الحالية لا الاستمرار في سياسات نجحت في التعامل مع معطيات مختلفة. فالتحديات القادمة ستكون مصيرية بالنسبة للعالم كله لكنها أكثر صعوبة لمنطقتنا وهي في ذات الوقت تحمل مقومات إيجابية لا تتوفر للعديد من دول العالم وبإمكانها لو أحسنا التخطيط لها أن تجعل منطقة الخليج العربي من أنجح المناطق وأكثرها استقرار وتقدم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها