النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11728 الثلاثاء 18 مايو 2021 الموافق 6 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:18PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

التمثال والمَثّال وزوبعة في «فنجال»

رابط مختصر
العدد 11433 الإثنين 27 يوليو 2020 الموافق 6 ذي الحجة 1441

  • من يا ترى أحق بوضع تمثال له على سُدة القناة؟

 

مواظبتي على قراءة أدوات التواصل الاجتماعي أشعرتني بأن في مصر مشكلة اسمها «التمثال»، هل يُعاد تركيبه على سدة قناة السويس؟ أم أن نتركه في المخازن ليأكله الدود، وتعشش فيه الأفاعي؟ هل نرفعه على مدخل الصرح التاريخي العملاق؟ أم نغرقه في أنهار الأتربة والحشرات ومزبلة التاريخ؟

الدفاع عن إزاحة التمثال إلى الأبد، يعني أن هناك أصواتًا تنادي بعودته إلى منصة التكريم، والمطالبة بوضع تمثال آخر لمن يستحق، يؤكد أن الأصوات المؤيدة لإعادة التاريخ إلى الوراء قد تعالت للحد الذي لا يمكن السكوت عليه.

إنه تمثال «ديليسبس» الضابط الفرنسي الذي كان يمتلك شركة خاصة وجاء بفكرة ربط «البحرين» الأحمر والمتوسط بقناة تسمى «قناة السويس».

ديليبس أطلق المشروع من خلال الخديوي سعيد حاكم مصر آنذاك قبل أن يستكمله خلفه الخديوي إسماعيل باشا في عام 1856 ليبدأ عشرات الآلاف من الفلاحين المصريين الحفر، وبعد أن لقى 120 ألفًا ممن كانوا يعملون بالسُخرة حتفهم وهم يشيدون هذا المجرى المائي العظيم الذي وفر للإنسانية وقتًا وجهدًا ومالاً وعرقًا، وأثرى حركة التجارة بين الشرق والغرب وأصبح أهم ممر مائي في العالم حيث تمر من خلاله النسبة الأعظم من التجارة العالمية.

 في عام 1956 وبينما كانت إيرادات القناة تتعاظم لتصل إلى 35 مليون جنيهًا مصريًا في السنة أي ما يعادل 100 مليون دولار أمريكي، لا تحصل مصر منها إلا على ثلاثة ملايين جنيهًا مصريًا بينما تحصل الدول التي تدير القناة وهي إنجلترا وفرسا على 32 مليون جنيهًا.

هذه المفارقات، مصريون يحفرون قناة بالسُخرة ويموت منهم 120 ألفًا، ودول أجنبية تأتي لتدير وتحصل طوال مائة سنة على ثلاثة مليارات ونصف المليار جنيهًا بأسعار صرف ذلك الوقت، بينما لا تحصل مصر صاحبة القناة والأرض والمياه والضحايا سوى 300 مليون جنيهًا فقط، هذا الوضع المزري، وتلك الظروف القاسية جدًا على أي صاحب حق، دفع الزعيم جمال عبدالناصر إلى تأميم قناة السويس وإعادة الحق لأصحابه الأصليين، وإدارة القناة إدارة وطنية تثبت يومًا بعد الآخر، أن العرب قادرون على امتلاك مقدراتهم، وتشغيل مشروعاتهم، وقيادة استغلالهم الوطني بكل مهنية وكفاءة واقتدار.

وبعد مرور نحو 64 عامًا على تأميم قناة السويس وخلال الآونة الأخيرة خرجت أصوات لم تقرأ التاريخ، وانبرت شخصيات لا تفهم في أصول الوطنية ولا تحترم اعتبارات السيادة وحقائقها المعرفية لتنادي بوضع تمثال الرجل الذي ابتز المصريون، واستعبدهم، وقتل منهم 120 ألفًا، وعاملهم كالعبيد، «بالكرباج» والعصا وربما بالرصاص، لكي تضع تمثاله على مدخل قناة السويس اعترافًا بجميل فكرته، ورجاحة تفكيره، وعظمة «عدالته»، نسينا، أو لم ندرِ أن الرجل استهلك كل ما هو مصري، من أجل أن يعظم أرباح شركته، وأن ديليبس «الجهبذ» الذي مازال يحمل براءة اختراع هذه القناة، هناك من يحملون له الفضل، ويعيدون الكرامات إليه، بل ويطالبون بتمجيده لأنه قتل وسفك، وحفر في أرض لم تكن أرضه، وأقام صرحًا في صحراء ليست صحرائه، سرق من الخيرات ما لم يستحق وأعطاها لمن لا يملك.

صحيح أن فكرته ممكن أن نعيد النظر في تقديرنا لها، وصحيح أنها نقلت العالم كله وليست مصر فقط إلى مكانة تجارية واقتصادية لم يسبق لها مثيل، لكن الصحيح أيضًا أن تمجيد الرجل كان يمكن أن يكون مقبولاً لو أنه لم يحفر القناة على أشلاء 120 ألفًا ماتوا ظلمًا وحرمانًا، من الشمس المُحرقة والأمطار المغرقة، والأجواء المستحيلة، كان صحيحًا لو كان الرجل قد باع فكرته للخديوي، وترك حاكم مصر يتصرف فيها كيفما يشاء، وكان صحيحًا لو أن ديليبس لم يكن يفكر في مصلحة شركته الخاصة وفي بلده التي جاءت بعد ذلك وفي عام 1882 لتستعمر مصر مع بريطانيا حتى خرج آخر جندي منها في عام 1954.

السؤال من يا ترى أحق بوضع تمثال له على سُدة القناة؟ هل ديليبس الملعون، أم جمال عبدالناصر الذي أمم وحرر وخاض حربًا ضروس مع دول عظمى في عام 1956 وانتصر عليهم؟ أم للفلاح المصري الذي حفر ومات وضحى بكل شيء من أجل أن يكون لمصر مجد، وللدنيا قناة، وللتاريخ أثر عظيم؟.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها