النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:52PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

متى نستيقظ؟

رابط مختصر
العدد 11431 السبت 25 يوليو 2020 الموافق 4 ذي الحجة 1441

لي صديق ثري جدًا استغربت عندما علمت منه أنه يبحث عن وظيفة لابنه البالغ من العمر 21 عامًا، فاقترحت عليه أن يوظف ابنه في إحدى شركاته أو يعطيه رأس مال يستطيع من خلاله تأسيس عمله الخاص! لكن رده كان حاسمًا ومقنعًا بالنسبة لي، قال إنه لا يرد تدليع ابنه، بل يريد له أن يصعد سلم الحياة العملية من الصفر، كما فعل فهو، حتى يتمكن من إدراك معنى شظف العيش، ويعرف قيمة الأشياء، ولا يفرط بما لديه من مكتسبات. قال لي صديقي: «المال يعني السلطة والسلطة في يد عديمي الخبرة والإدراك والنضج سلاح ضال قاتل، فكم من أولاد قتلهم أهلهم حُبَّا عندما أغدقوا عليهم الأموال دون اكتراث فصنعوا منهم أشخاصًا ضعفاء فاشلين مثيرين للسخرية والشفقة».

أعتقد أن هذا هو حال الكثير من دولنا العربية، ليبيا والعراق واليمن وسوريا والجزائر وغيرها، والتي بذل أهلها الدماء من أجل الاستقلال والتحرر وما سموه بـ «طرد الاستعمار»، لكن ذلك كان أشبه بـ «قفزة في الفراغ»، حي قطعوا علاقتهم مع الغرب المتحضر بدعوى الاستقلال الناجز ومحاربة الإمبريالية والرأسمالية، ولم يكونوا جاهزين بعد لقيادة مسيرة التطور العلمي والعمراني والاقتصادي والحضاري في دولهم بأنفسهم، فخرجوا من تحت مظلة الاستعمار ليسقطوا في براثن الدكتاتوريات القبيحة التي سلبت من كل شيء لونه وطعمه وجماله.

لم يسألوا أنفسهم لماذا استُعمِرنا، وما هي نقاط ضعفنا وما هي نقاط قوة المستعمر، بل أخذتهم العاطفة والعزة بالنفس، وأعمت أعينهم عن أهمية التفكير المنطقي العقلاني كما فعلت اليابان بعد خسارتها الحرب العالمية الثانية، اليابان التي فكرت حينها من الداخل إلى الخارج وليس العكس، تناست جراحها وخلعت لباسها التقليدي «الكيمونو» وقررت مصافحة الدول التي غلبتها والدخول معها في شراكة. لقد خسرت اليابان الحرب لكنها فازت في التنمية والتطور والتقدم. طبعًا أصحاب هذا النهج والتفكير يكونون عادة من الكفاءات الوطنية والخبراء في الإدارة والتنمية، وليس العسكر ورجال الدين وزعماء الطوائف الذين يستحوذون على عقول الناس ويزرعون فيهم مشاعر الولاء الغبي الأعمى.

مقابل تجارب التحرر الفاشلة في بعض الدول العربية، نجد أن دول الخليج العربي لم جميع هزَّات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية عنيفة، بل حافظت على استقرارها بعيدًا عن الاقتتال والحروب والنزاعات الداخلية، وتمكنت من تلمُّس مسيرة التنمية الوطنية المستقلة بهدوء وعقلانية، وحافظت في الوقت ذاته على علاقات منفعة متبادلة مع الدول الغربية «الاستعمارية»، وهي علاقات اتسمت بالكفاءة والندِّية.

ربما يمثل عملاق الطاقة العالمي «أرامكو» مثالاً حيا على ذلك، حيث تمكنت السعودية في البداية من الاستفادة مما لدى الولايات المتحدة الأمريكية من علوم متقدمة في مجال استكشاف واستخراج وتكرير وتسويق النفط، ورويدًا رويدا تم توطين تلك الخبرات والمعارف، وأصبح السعوديون في كل مفاصل الشركة، بل وأطلقوا منها شركات أخرى ذات صلة بقطاع البتروكيماويات وغيرها، وجرى توظيف خيرات أرامكو في النهضة التنموية الهائلة التي تشهدها المملكة العربية السعودية منذ عقود، واستفاد منها ليس السعودية والسعوديون فقط، وإنما دول المنطقة والعالم.

أكتب هذا المقال وما يجري في ليبيا حاليًا لا يغيب عن بالي، ليبيا التي الغنية بخيرات نفطية هائلة مقابل عدد سكان لا يتجاوز الأربعة ملايين نسمة، لكن فيها أيضا العقيد القذافي، الأخ القائد غريب الأطوار والفكر، صاحب الكتاب الأخضر، الذي يبدو أنه قرر أن أفضل طريقة للسيطرة على شعبه هي إغراقه في الجهل، حتى أن رواية تقول إن أحد القادة قال للقذافي إبان حكمه «لماذا لا تحارب الأمية بين صفوف شعبك؟ فأجاب القذافي: أخاف إذا تعلموا وتنوَّروا وفهموا أن ينقبلوا على واقعهم ويثوروا علَي، فرد القائد: على كل حال إذا ثار عليك شعبٌ مثقف أفضل من أن يثور عليك شعبٌ جاهل». وقد كان صادقا في مقولته تلك، فما حصل بالفعل أنه عندما ثار الليبيون وأسروا القذافي نكَّلوا به وقتلوه بوحشية ودفنوه في الصحراء، وكذلك فعلوا مع عدد من أولاده.

المشكلة أن القادة الذين سيطروا على السلطة بانقلابات عسكرية وقتلوا وسجنوا من كان قبلهم في الحكم، يتملَّكهم رعبٌ دائم بشأن المصير المحتمل أن يواجهونه في حال حصل انقلاب عليهم أنفسهم، فيصبح شغلهم الشاغل الحفاظ على السلطة وسحق المعارضين والمناوئين، حتى وإن اضطرهم ذلك للتحالف مع الشيطان، ويَنسون قضايا التنمية والصحة والتعليم، وكلما طالبهم شبعهم الجائع بالخبز ردوا عليه بـ«مقارعة الاستعمار» و«محاربة الرجعية»، و«المقاومة»، و«الشيطان الأكبر»، وغير ذلك من المصطلحات»الثورية التحررية«التي لا تسمن ولا تغن من جوع.

العراق أيضًا أصبح فريسة سهلة لإيران بعد سقوط نظام صدام حسين، وأنا لست هنا في وارد تقييم الرجل بعد رحليه، لكني أعتقد أنه كان دكتاتورًا أعمى، قضى على نفسه عندما استدار بسلاحه تجاه أشقائه في دول الخليج.

مع كل أسف، لقد وجد»الرجل العثماني المريض«فرصة في منطقتنا العربية من أجل استعادة أمجاد أجداده في غابر الزمان، والعودة بالجيش الانكشاري إلى المنطقة، مستغلاً خواصرنا العربية الرخوة في ليبيا وسوريا وغيرها، معتمدًا على المتطرفين للعب دور»حصان طروادة» في إدخاله إلى بلادنا وبرلماناتنا وإعلامنا وعقول ناشئتنا.

كنا سعداء بتركيا الحديثة، تركيا العلمانية التي اختارت طريق العلم والحضارة، وفرحنا بالنهضة الاقتصادية التي تشهدها، وطالما اعتقدت عندما كنت تلميذًا أن تركيا هي ممرنا نحن العربي للانفتاح على العالم، ليس ممرًا جغرافيًا فقط، بل فكريًا وثقافيًا أيضًا، لكن الآن يجب أن ندعم كل جهد عربي، مصري أو خليجي أو مغربي أو غيره، يعمل من أجل إنهاء أحلام العثمانيين في أرضنا.

لقد شَغَلنا الربيع العربي عن مواجهة مشاكلنا الخارجية التي تفاقمت رغمًا عنا وفي غفلة منا، تمدد الإيراني والعثماني في منطقتنا، وظهرت أمامنا تحديات وجودية جسيمة أخرى مثل سد النهضة الإثيوبي، والانهيار الاقتصادي في لبنان، لقد أصبحنا مع الأسف مثل حارس المرمى الذي يُسدد عليه جميع لاعبي الفريق الخصم في وقت واحد، حتى كادت تتمزق شباكه، لكنه لا زال يصر على الوقوف وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لا بأس، نحن أهل هذه الأرض، مررنا بالكثير الكثير من المحن والأهوال، وكنا في كل مرة نخرج منتصرين وإن طال الزمن.

 

*رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسِفِن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها