النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11518 الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الموافق 3 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

هل تقبيل القدمين تعبير عن التكريم؟

رابط مختصر
العدد 11428 الأربعاء 22 يوليو 2020 الموافق غرة ذي الحجة 1441

  • تؤثر تلك اللحظة على مزاج المشاهد،ويفقد المشاهد اهتمامه بالمسرحية كلها

 

برنامج تلفزيوني يحقق تداولاً عاليًا في دولة عربية، وموضوع البرنامج هو: «سيدة مجهولة نسب تعرضت لتعنيف من قبل أمها بالتبني التي أخرجتها من الملجأ... حتى تزوجت الرجل الذي قدم لها كل شيء، وقالت إنها تريد تكريمه أمام 40 مليون مواطن بتقبيل قدميه». وبمجرد أن عرض التلفزيون هذا المهرجان التكريمي! الذي شاهده 40 مليون إنسان، تلقفت وسائط التواصل الإلكترونية الشريط السينمائي للمهرجان وبثّته على الشبكة العنكبوتية التي تغطي كامل الكرة الأرضية، ومع هذا الوسيط السحري تضاعف جمهور التداول إلى عدد مضاعف من الملايين، وفي فترة زمنية قياسية. والعدد في ازدياد مطرد، ولكن إلى زمن قصير؛ لأن الأحداث المثيرة على الشبكة الاجتماعية في زحمة مع الزمن.

البرنامج التلفزيوني يعرض مشهدًا حيًا لامرأة و زوجها وهو جالس على يمينها، كانا في عمر الزهور، ومذيعة محجبة متبسمة تحادثهما ونظرات الإعجاب تشع من عينيها. الزوج شاب سحنته تتسم بالحياء والخجل، و كامل هيئته تنم بالبساطة والتواضع، والزوجة تلبس حجابًا يحجب جزءًا من جمالها، ويغطي شفتيها وأنفها و خديها كمام يحجب أشعة النظر عن نصف وجهها وجل جمالها، وأما بالنسبة للعينين فكانتا تتراقصان بين الزوج و المذيعة، وكامل هيئتها وزيها على النقيض من زوجها، وتنم عنها لغة حية نشطة للجسد، فجسمها حركة تغلب على سمة الجسد. والزوج جسد صامت دون نطق ملحوظ إلا فيما ندر وحسب الطلب، وعيناه تتجنبان النظر إلى أي كان وإلى أي شيء، ووجوده يغلب على حضوره، فهو الحاضر الغائب. المشهد بالعرف المسرحي يوحي بأن الزوجة هي السيدة، والزوج إنس مطيع أمين، ولا يطاله شك في طيبته وإخلاصه لشريكة حياته، وحياؤه يملي عليه كلامه وحركته وحتى نظرته. وفجأة انفلتت من الزوجة حركة شبه مسرحية، حركة فاجأت الزوج والمذيعة وكل من كان يشاهد البرنامج. بحركة لولبية سريعة قامت من موضعها والتَفَّتْ أمام زوجها وسجدت عند قدميه ومست بشفتيها حذاء الزوج، والزوج محرج يريد أن يمنعها، ولكن حركتها كانت أسرع من ردة فعل الزوج. ومشهد السجود ومس الحذاء بالشفتين كان في لمح البصر، كان أشبه بلفتة عفوية خاطفة أكثر من كونها حركة مقصودة، فما كان السجود خشوعًا ولا مس الحذاء بالشفتين تقبيلاً ولا الحركة المسرحية الشاذة تكريمًا. ولا أحد يمكنه أن يسبر غور نفسها وهي في هذا المشهد شبه التعبدي ظاهريًا؛ لأن الذي قد تخفيه الحقيقة هي غير الصورة التي نقلته بالمشهد المسرحي. كان البرنامج مخصصًا لسيرة حياتها ومعاناتها في ملجئ الأيتام واستمرار معاناتها مع المرأة التي تبنتها إلى أن تقدم لها ابن الحلال و حررها بالحلال من المعاناة! وظهور الزوج كان جزءًا من البرنامج في ثلثه الأخير. البرنامج التلفزيوني في هذا اللقاء الذي دام ما يقارب النصف ساعة أثار زوبعة في غير موضعها، والبرنامج لم يكن من أجل تكريم الزوج المنقذ! بتقبيل قدميه أمام 40 مليون مشاهد، ومشاركة الزوج كان عرضيًا وفي الثلث الأخير، وأما التكريم بتقبيل القدمين فجاء في لحظة خاطفة شاذة! وما كان تكريمًا بمعيار التكريم ولا تقبيلًا للقدمين بأريحية القبلة والتقبيل. اللحظة الخاطفة، التي مثّلت فيها الزوجة حركة السجود أمام الزوج ومس الطرف العلوي من حذائه بشفتيها، أو مجرد اقتراب الشفتين من الحذاء وهو الأرجح الذي توحي به المسرحية، ما كانت في انسجام ولا اتساق مع مجمل البرنامج، فقد كانت لحظة شاذة ودورًا نشازًا، ولكن هذه اللحظة الشاذة هي التي أعطت البرنامج عنوانه وأسبغت عليه سمعته. هذه اللحظة الشاذة هي أقرب إلى خروج أحد المشاهدين من مقعده، وهو يشاهد مسرحية، وصعوده خشبة المسرح للتعبير عن إعجابه ويأتي رجال الأمن ويخرجوه، وتستمر المسرحية بعد لحظة توقف خاطفة، وقد تؤثر تلك اللحظة على مزاج المشاهد، ويفقد المشاهد اهتمامه بالمسرحية كلها، فتترسخ في ذهنه تلك اللحظة التي عكرت صفو الجو بين خشبة المسرح وقاعة الحضور. 

المشاهد في كليته الجماهيرية اقتطع من برنامج الثلاثين دقيقة لحظة من ثوانٍ قليلة وأعطى هذه اللحظة الأهمية المركزية والتي أثرت فيه، وأسدل الستار على الموضوع الأساسي في البرنامج، واختزل برنامج الثلاثين دقيقة بعدد من الثواني. لا شك، فإن هذه اللحظة الشاذة في اللقاء هي التي هدمت صرح القصة وبرزت واستفزت وأغضبت الكثير من المشاهدين وخاصة المرأة. هذه اللحظة التي شهدت المشهد الشاذ وما أثارته من رد فعل غاضب وساخط، هي التي حرقت القصة وصاحبتها. ولا عجب في ذلك... ولا حاجة إلى تكرار لغة السخط والاستنكار والغضب لأنها معروفة وندعمها. 

إن السجود وتقبيل القدمين، كان ما كان ومن أيٍّ كان ولأيٍّ كان، ليس تكريمًا ولا تعبيرًا عن حب ولا تعبيرًا لرد جميل، بل حركة شاذة تشوه مكانة العلاقة بين الإنسان والإنسان. وبعض الأفعال الشاذة تتنفس بنوايا أشد شذوذًا من الفعلة ذاتها... المشهد الشاذ أثار موجة عارمة من السخط والاستنكار على قاعدة رفض المهانة للمرأة ورفض السيطرة الذكورية، وهي قضية اجتماعية قديمة قدم العالم، وآثارها مازالت باقية حية في كل دول العالم الثالث والخامس وحتى بعض الجيوب في المجتمعات المتقدمة التي تخطت مسألة الذكورية وارتقت إلى الوضع الطبيعي وهو المساواة الكاملة ببن الرجل والمرأة. ولكن المشهد الشاذ الذي نحن بصدده، في ظاهرة هدر لكرامة المرأة وباطنه مكنون في نفس الزوجة السيدة، والباطن قد يكون نقيض الظاهر، وهو على شاكلة القول المشهور لأحد الخلفاء العباسيين «إني أقبل اليد التي أرغب قطعها»، وهذا المشهد قريب من هذا القول، برديفه «إني أقبل القدم التي أرغب أن أكبلها»... وليس بخافٍ على أحد بأن في مقابل ذكورية سائدة اجتماعيًا، هناك أنوثيّة (سلطة المرأة) نادرة أسريًا خلف الأبواب. وزبدة القول، وبغض النظر عن طبيعة المشهد أعلاه، فإن التكريم بتقبيل الأقدام توهين لمعنى التكريم، والتكريم تقدير متبادل بين قطبي التكريم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها