النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11560 الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

خطورة «تباعد» سياسات الحلفاء

رابط مختصر
العدد 11427 الثلاثاء 21 يوليو 2020 الموافق 30 ذو القعدة 1441

في العشرينات من القرن الماضي، وتحديدًا ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية، اتخذت كل من فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي سياسات مختلفة للتعامل مع الخطر الألماني على الرغم من اتفاقهم على أن ألمانيا تشكل التهديد الأكبر لهم. هكذا تفعل اليوم الدول العربية وبالذات تلك التي يشكل النظام الإيراني مهددًا حقيقيًا لأمنها واستقرارها، فنجد أن مملكة البحرين والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية اختاروا مواجهة الخطر الإيراني عبر سياسات متّسقة لكن اختارت كل من الكويت وسلطنة عمان التعامل مع إيران بشكل مختلف مع أنهم قد لا يختلفون على أن النظام الإيراني من أكبر مهدّدات الاستقرار في المنطقة، وأيضًا هناك السياسة القطرية المتعارضة مع سياسات بقية دول مجلس التعاون العربية في تعزيز تعاونها مع إيران.  فيما بين الحربين العالميتين حاولت فرنسا بناء تحالفات قوية مع بريطانيا والاتحاد السوفيتي وسعت للحصول على اتفاقيات عسكرية معهم تضمن مشاركتهم لها في تأمين حدودها مع المانيا وتقديم المساعدة العسكرية الكاملة إذا تعرّضت لهجوم ألماني جديد، وأيضًا كانت تسعى في أثناء المفاوضات بعد الحرب العالمية الأولى إلى أن تضعف أو تؤخر إعادة بناء ألمانيا لقدراتها العسكرية والاقتصادية؛ لكي يميل ميزان القوى لصالح فرنسا على المستوى القصير والمتوسط وحتى البعيد. إنما بريطانيا رأت أن الأولوية هي إعادة ترميم اقتصادها المنهار بعد الحرب العالمية الأولى، وأنّ خنق ألمانيا اقتصاديًا سيضر بمصالح بريطانيا الاقتصادية التي تعتمد على انسيابية التجارة الدولية على الرغم من إنها كانت تتفق مع فرنسا أن ألمانيا مازالت تشكل الخطر الأكبر عليهم، لذلك أرادت بريطانيا أن تعيد بناء اقتصادها كأولوية وأرادت فرنسا تأخير إعادة بناء ألمانيا لقدراتها كأولوية مقابل تعزيز فرنسا لتحالفاتها وقدراتها العسكرية. وأيضًا الاتحاد السوفيتي الذي اتفق معهم على أن ألمانيا هي الخطر الأكبر لكنهم اعتقدوا بحكم موقعهم الجغرافي أن ألمانيا لا تشكل خطرًا عسكريًا مباشرًا، وإذا أرادت الهجوم عليهم سيتعيّن عليها احتلال بولندا أولاً، فقدّر الاتحاد السوفيتي أن تعزيز التعاون مع ألمانيا سيكون السبيل الأنسب للتعامل مع الخطر الألماني. وهكذا اتجهت كل دولة منهم في اتجاه مختلف برغم اتفاقهم على المهدد ولكن اختلفوا في كيفية التعامل معه من منطلق فردي وتشتت جهودهم بدل تضافرها. 

وفي مطلع الثلاثينيات أدركت الدول الثلاث أن سياساتها المتعارضة شجّعت ألمانيا على تعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية وأعادت إحياء طموحاتها التوسعية، ولكنهم لم يكونوا يملكون الوقت ولا الإمكانات لتغيير موازين القوى في ذلك الوقت بشكل يضمن سلامتهم من الأطماع الألمانية. وأيضًا اختلفوا في كيفية التعامل مع هذا الخطر، فسعت فرنسا لبناء تحالفات عسكرية غير واقعية مع الاتحاد السوفيتي وبريطانيا، كلٌ على حدة، واستثمرت مواردها الاقتصادية لبناء خط Maginot line بتكلفة فاقت ثلاثة مليارات فرانك لصدّ أي هجوم ألماني محتمل على الحدود وركزت على تدريب قواتها العسكرية على نمط حروب الاستنزاف، بعكس ما كانت ألمانيا تدرب وتؤهل قواتها على نمط التنقل المرن مما وضع فرنسا في وضع سلبي من البداية. ومن المهم التذكير بأن الأوضاع السياسية في الداخل الفرنسي لم تكن مستقرة في ذلك الحين وكانت الخلافات السياسية عنصرًا يضعف فرنسا أمام أي مواجهات أو مهددات خارجية. بينما أدركت بريطانيا أنها أخطأت في تقدير سرعة عودة ألمانيا لقدراتها السابقة وأن بريطانيا لا تملك الوقت الكافي لإعادة بناء قدراتها العسكرية بالشكل المطلوب لمواجهة الاطماع الألمانية فقررت التخلي عن سياسة Ten-Years-Rule القائمة على أساس عدم الاستثمار في القدرات العسكرية؛ لأن بريطانيا لا نية لديها للدخول في حروب كبرى، واستبدلت هذه السياسة بسياسة خاطئة أخرى سمية بسياسة الاسترضاء appeasement، والتي كان هدفها الأساسي هو شراء الوقت عن طريق استرضاء هتلر، إلى أن تتمكن بريطانيا من رفع قدراتها العسكرية بشكل يتناسب مع الإمكانات الألمانية، ففي الوقت الذي كانت توقع معها اتفاقية ميونخ عام 1938 لتسليم أجزاء من الأراضي التشيكوسلوفاكية لألمانيا استرضاءً لهتلر، كانت بريطانيا تضخّ مواردها الاقتصادية في المصانع العسكرية لبناء قدرات دفاعية للتصدي للقوات الجوية الألمانية وتعيد بناء وتدريب القوات الجوية البريطانية للتعامل مع الخطر الألماني. بينما استمر الاتحاد السوفيتي في سياساته المبنية على أساس أن الموقع الجغرافي يضعهم في موقف أفضل من فرنسا وبريطانيا، وعندما يقع أي هجوم ألماني على بولندا حينها يستطيع الاتحاد السوفيتي توجيه موارده لمواجهة ألمانيا، مع أنهم كانوا يدركون أن توسّع ألمانيا في شرق أوروبا سيعطيها موارد اقتصادية تمكنهم من تسريع تغيير موازين القوى ضد دول غرب أوروبا.

وما حدث بعد ذلك معروف للجميع، وثمن تضارب السياسات بين الحلفاء كلّفهم ما يفوق احتمالهم بكثير، لذلك نسأل: هل يدرك العرب أن عدم توحيد السياسات والإمكانات لمواجهة ذات الأخطار سيكلّفهم أكثر بكثير من تكلفة توحيد السياسات وتغيير كفّة موازين القوى بشكل كبير يخدم مصالحهم جميعًا ويجنّبهم تصاعد حدة الصراع؟ فإن لم تكن موازين القوى تميل للحلفاء بشكل واضح، كيف سيتجنّبون الصدام بسياسات منفردة؟ 

استشهادنا بالتاريخ ليس من باب أخذ العبرة من الماضي فقط إنما من أجل استيعاب الحاضر أيضًا، فهو لا يختلف اليوم سواء في اختلال موازين القوى في منطقتنا بسبب «تباعد» السياسات بين الحلفاء، أو على مستوى العالم، فما يحدث بين الصين وأمريكا هو بالضبط محاولة تغيير موازين القوى بشكل يجنّبهم تكلفة التعامل مع واقع لا يخدمهم سواء للحفاظ على موقع أمريكا أو سعي الصين لتغيير موقعها، فلماذا نتبنّى سياسات منفردة لن تجعلنا أكثر أمانًا إنما ستزيد من إمكانية حدوث صدام بسبب الاختلال في موازين القوى وضعف إمكانية الردع؟! فهل نعيد حساباتنا من أجل مستقبل أفضل للمنطقة أم نستمر في التفكير بشكل فردي ونزيد من حدة التوترات واختلال موازين القوى؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها