النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11489 الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 4 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

إعادة كتابة التاريخ 2 / 3

رابط مختصر
العدد 11426 الإثنين 20 يوليو 2020 الموافق 29 ذو القعدة 1441

عندما يندفع الطوفان لا أحد يعرف متى يتوقف حتى الطوفان نفسه. هكذا تتالت اندفاعات الموجة السوداء برفقة جماهير متنوعة عرقيًا جزء كبير منها لا يدرك عمق تلك الموجة ولا يلمس منها إلا ما هو ظاهر اجتماعيًا كحالة التمييز العنصري اليومي في المجتمع الامريكي ومنذ تاريخ ولادته قبل ثلاثة قرون وأكثر. 

هذا التراكم الطويل المتعاقب التراجيدي من الاضطهاد والتعذيب والقتل والوحشية بانتزاع أدمية بشر لمجرد انهم مختلفين في البشرة الانسانية. هذا التتناقض والاختلاف العرقي ومن ثم الاجتماعي والطبقي تداخل في شظايا تلك التجمعات السوداء الشبيهة بمجتمع الغيتو خلال القرون السالفة وعبر نضالات كثيرة متعددة انتزعت تلك الحركات السوداء الامريكية حقوقًا متقدمة ونصوص وتشريعات متطورة بلغت حد المساواة. أتاحت لشخصيات سوداء تعتلي مناصب عليا كما هو كونداليزا رايس وكولن باول وأخيرًا الرئيس السابق باراك أوباما. 

أن تشق طريقك في مجتمع عرقي ليس أمرًا سهلاً ولكنه ليس مستحيلاً  غير ان حالة الكراهية الخفية والمعلنة تبرز على السطح بين الحين والآخر كما هي حالة التنابذ الدائم بين الشرطي الابيض والمواطن الأسود بين الاستعلاء والنفور والدونية بين التمييز الوظيفي والتهميش ترسخت على مدى عقود لم ينجح الطرفان في اختراقها وتذليلها مما أنتج ظاهرة النيغر والزنجية المقموعة والمستلبة في مجتمع تعددي بالمهاجرين وعلى كل شريحة وعنصر وجماعات أن تتسيج بذاتها ولحماية نفسها. وكان على السود طوال هذه العقود قراءة تاريخ مزيف وتماثيل مثيرة للاعصاب وحكايات تطارد الأسود في احلامه في مجتمع لم يعزز روح التآخي والتسامح الى حد عجزت الكنيسة إزاحة ذلك السور العرقي بين البيض والسود إلا في حالات من الرومانسية الروائية والسينمائية!!. 

تحاول الاتجاهات والافكار الانسانية والراديكالية واليسارية كسر هذا الجدار التاريخي وقد دخلت صدامات ومماحكات طاحنة في المجتمع قادته الى حريق واسع وكلما تهدأ تلك العواصف تعود مرة ثانية للاشتعال كونها لم تجتث من الجوهر اساس المشكلة التي تقف وراء تلك الانفجارات الاجتماعية والانسانية. المفارقة ليست في موت شخصية من نمط جورج لويد الذي سوابقه الجنائية عديدة وهو مجرد فرد عادي للغاية وربما أقل ولو مات في حادثة سيارة لما تفجر الوضع الغاضب ولكن بشاعة الموت وطريقة استفزاز الشرطة في تعاملها مع السود فجرت الغضب الصامت الكامن نحو المسافات الجغرافية الامريكية فليس الموت في مينيابوليس مسألة مكانية ومساحة من الارض بقدر ما هي برميل واسع من الزيت يبحث عن ثقاب يشعله. 

أسلوب الموت وطريقة القتل ونهج العنف اليومي وحده من أزاح الستار المهترئ للمسرح الزنجي التاريخي في جميع الأحياء رغم انها بدت حركة شعبية فوضوية تائهة بلا برنامج واضح ولا اهداف محددة ولا حتى قيادة سياسية معهودة كل ما في الأمر برزت حيوية المجتمع المدني بمنظماته العاطلة عن العمل بغالبيتها الشبابية تنزع بهدوء من التسيب والتبعثر الى نوع من حالة التنظيم النسبي غير أن الفوضى هي الشكل السائد لهذه الحركة التي وجدت في رفع شعار مسألة حياة السود مخرجها الوحيد لتنتقل بعد أسابيع من النهب والتخريب والتكسير الى حالة تحطيم التماثيل النحاسية انطلاقًا من محاولة اقتلاع تلك الرموز كجزء من إزاحة تاريخ مشبوه مشوهٍ فكانت حركة عنيفة تعبر عن رمزية سياسية برغبة اعادة كتابة التاريخ الامريكي من جديد خاصة تلك الصفحات السوداء في زمن العبودية كتاريخ عنصري يكرس الكراهية والتمييز وغياب العدالة بين المواطنين بسبب بشرتهم كأسوأ حالات العنصرية. كان أكثر التماثيل استهدافًا كريستوفر كولمبوس الذي أزيل تمثاله من مدينة بوسطن أعقبه إزاحة رأسه كنوعٍ من الإعدام الرمزي فيما تم إغراق تمثال آخر في ولاية فرجينيا فسالت دموع كولمبوس حسرة على مجد لم تسعفه رحلة الاكتشافات العظمى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها