النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11489 الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 4 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

مختبر الكتابة

رابط مختصر
العدد 11424 السبت 18 يوليو 2020 الموافق 27 ذو القعدة 1441

هل صحيح أن الكاتب الموهوب يستطيع الكتابة وقت ما يشاء وكل ما عليه أن يضع جهاز الكتابة أمامه ويبدأ النقر على الحروف لتمتلئ الشاشة البيضاء بكتابة لا نقص فيها ولا عيوب أو خلل؟ الذين يمتهنون الكتابة وحدهم يعرفون الإجابة الصحيحة، وعلى النقيض من ذلك فالكتابة لا تواتي الكاتب وإن كان قديرًا وقت ما يريد، وخصوصًا منها الكتابة الإبداعية. لا تتوافر الكتابة كل الأوقات، وهي تأتي بصعوبة وجهد حتى للموهوبين من ذوي الخبرة والثقافة ومشاهيرالكتّاب الذين قطعوا أشواطًا بعيدة في الكتابة، وأمضوا فيها دهرًا، وهي تزداد صعوبة بعض الأحيان، فلا يستطيع الكاتب تقديم كتابة جيدة. 

ويروى عن الفرزدق -الغزير الإنتاج- أنه قال: «إن خلع ضرس يكون أهون عليّ من قول بيت شعر أحيانًا»، ويحدث هذا الاحتباس إذا كان الكاتب غير مهيأ للكتابة، فإن حاول جاءت كتابته سيئة وغير صالحة للقراءة، ولن يعيرها القارئ اهتمامًا. يحدث ذلك إذا لم يختر الكاتب الوقت المناسب للكتابة، أو إذا لم يكن متفاعلاً مع ما يكتب، أو كان مجبرًا عليه، لأداء واجب والتزام، مثل الكتابة في الصحافة، حيث يكون فيها الكاتب ملزمًا بإرسال مقاله في وقت محدد، لهذا السبب تظهر كتابات ضعيفة لكتّاب مشهورين وقديرين أحيانًا. تأتي الكتابة ضعيفة أيضًا إذا لم تختمر الفكرة في رأس الكاتب ولَم تنضج الثمرة لتكون جاهزة للقطف، أو إذا استسهل الكاتب أمر الكتابة وشروطها وقواعدها. هذا الأمر ينطبق على كل الأنواع. ولا نستطيع بذلك أن نفترض أن بعض أنواع الكتابة ممكنة في أي مكان وزمان، ففي ذلك استهانة وإهانة للكتابة. وإن كانت هناك أنواع أسهل أو أصعب إلا أنها جميعًا تظل مرتبطة بشروطها في جودة الصياغة، وعمق المعنى، وثراء اللغة وجمالها واتزانها، وتسلسلها وتناسقها العام. 

فاستسهال الكتابة له عواقب وخيمة على الكاتب؛ لأن القارئ لا يقرأ إلا الكتابة المهمة معنى والجميلة مبنى، فيتفاعل معها، وعادة ما يأتي هذا التفاعل لأسباب كثيرة، منها لغة الكتابة؛ فالمادة وحدها لن تكون جاذبة إذا كتبت بلغة هزيلة باهتة، جافة لا روح فيها ولا حيوية. واللغة هي نقطة الارتكاز الأولى في الكتابة؛ ويستدعي ذلك أن نهتم بكل جملة نكتبها، وبكل كلمة في الجملة، كما يستدعي التناسق والتناسب بين الجمل من السطر الأول إلى السطر الأخير، وسيقودنا ذلك إلى العناية بما نكتب والتدقيق فيه، وتغيير بعض الجمل غير المناسبة للمكان المناسب، والجمل غير المتناغمة مع الجمل المجاورة لها، قبلاً أو بعدًا، وعلينا فوق ذلك أن نسعى للتنقيح والتجويد كما يفعل الشاعر في القصيدة، فالشعراء يكثرون التنقيح لإضفاء الجمال على القصيدة. ومن المعروف أن للجمل في الكتابة تناسقًا وتناغمًا كما هو في الموسيقى. وأحيانًا قد لا تؤدي بعض الجمل إلى المعنى المقصود، أو تكون متنافرة مع ما قبلها وما بعدها، والكاتب يعرف بالخبرة كل هذه الأمور التي قد يغفل عنها الكاتب الجديد وإن كان موهوبًا. سنحتاج بعد ذلك لنقوم بتنظيم الكتابة وتنغيمها، وسيشمل ذلك الجمل والكلمات التي نراها غير مناسبة، أو أنها مناسبة لكنها ليست الأنسب والأجود. 

الكتابة أيضًا تكون أولى وثانية وثالثة، وأحيانًا تتجاوز ذلك في عدد المرات خصوصًا في الكتابة الإبداعية؛ فالكتابة الأولى هي المادة الخام، وتأتي مختلطة وفيها الكثير من الشوائب والعيوب التي تحتاج إلى تنقية وتغيير وتصليح وترتيب، فهذه الكتابة الأولى تشبه الطين الطري الذي يصنع منه الخزّاف أواني جميلة. بناءً على ما شرحناه؛ فالكتابة لا تقبل أن يتناولها الكاتب بخفة وعجلة وتسرع، فهي في أمس الحاجة إلى إعادة قراءة وإعادة كتابة؛ لأن الكتابة الأولى تكون كالتبر (مسحوق الذهب) الذي يأتي حين يُعثر عليه، مختلطًا بشوائب معدنية أخرى فينقى ويصفى من هذه الشوائب ليصير ذهبًا خالصًا فاتنًا يصيغ منه الصائق حليًا جميلة. تلزمنا الكتابة أيضًا أن نكون تلاميذ مخلصين لها، لا نكل أو نكسل أو نتذمر، وسنحتاج إلى سنين طويلة، نراقب فيها كتابات من نبغوا في الكتابة وخصوصًا الكتابة الأدبية لما فيها من خصوبة وثراء في التعبير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها