النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11448 الثلاثاء 11 أغسطس 2020 الموافق 21 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

طهران تدفع المنطقة إلى خياري الجوع والفوضى

رابط مختصر
العدد 11421 الأربعاء 15 يوليو 2020 الموافق 24 ذو القعدة 1441

لو كان الفقر رجلاً لقتلته. 

(الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه).

أقرّ بأن إلمامي بأمور الفقه محدود، وبالتالي، لا يحق لي مجادلة أحد في هذا المجال. وأيضًا، أقرّ بأنني لست مرجعية في الاقتصاد، وإن كنت أزعم معرفة اقتصادية لا تقل عن معرفة الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني به، لكوني درست الاقتصاد في الجامعة، وعشت في دول ناجحة اقتصاديًا بشتى المعايير.

ثم إن ما أفهمه عن تعريف السلطة هو صون مصالح الشعب والدفاع عن حقوقه، وعلى رأسها حقه في العيش الكريم. ولهذا السبب - باعتقادي - تقوم المؤسسات السياسية، وتُكتب الدساتير، وتتشكّل الأحزاب، وتُطرح البرامج، وتُنظم الانتخابات كي يقرّر الشعب ما يراه الخيار الأفضل، وعندها تُسنّ القوانين، ويُراقب تنفيذها على أيدي حكومة انتخبها الشعب. وفي نهاية المطاف، تخضع الأحزاب (أو التحالفات) الحاكمة أمام الشعب بعد فترة تعاقدية تداولية متفَق عليها للمحاسبة الشعبية الانتخابية.

هذه الآلية تسود في دول العالم الكبرى، التي حلت مشاكل التعدّدية والتعايش والحكم الرشيد، ناهيك عن صون ساكنيها وحماية مصالحهم ورعايتها. وبفضلها حلّت مشاكل التنوع بـ «مأسسة» التكامل، والخلاف بتنظيم الاختلاف، والتباعد بتوفير فرص للتقارب والتضامن.

في هذه الصيغة، المعتمدة في دول كدول أوروبا الغربية الشمالية والولايات المتحدة وكندا ونيوزيلندا، حيث أرقى مستويات الحياة والسعادة في العالم، لا توجد سلطة تنفيذية تحكم «غيبيًا» تحت مرجعية غير منظورة.

ولكن هذه السلطة «الغيبية» تحكم بالوكالة في لبنان، حيث بدأ الناس مواجهة الفقر بالانتحار، وفي العراق حيث خرج إلى العلن صراع الدولة مع «اللادولة»، وطبعًا في إيران حيث بُنيت دولة بقضها وقضيضها على تهميش الإنسان، وتصدير ثقافة الموت إلى قلب العالم العربي.

خلال اليومين الماضيين شهد لبنان بضع حالات انتحار هربًا من الجوع، بينما أصحاب القرار في مكان آخر. وأمس، بدأت المماحكات في لبنان تحت وطأة معاناة الناس من الانهيار الاقتصادي والسقوط الحرّ لقيمة العملة المحلية «الليرة». وخرجت إشاعات حول وجود تفكير باستقالة التشكيلة الوزارية، وذلك في محاولة لإضاعة مزيد من الوقت والتعجيل بالانهيار. والحال، أن أي عاقل في لبنان يعرف الواقع المؤلم الذي يُختصر بما يلي:

أولاً: إن المجتمع الدولي يعرف جيدًا أن البلد تحت احتلال «قوى الأمر الواقع»، وأن هذه «القوى» مشاركة في مؤسسات الدولة من ناحية، وتملك مؤسسات موازية ومستقلة عنها من ناحية أخرى.

ثانيًا: إن هيمنة «قوى الأمر الواقع» على لبنان، أمنيًا وعسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا - بل وفي بعض الحالات قضائيًا - لا تشجع على خلق مناخ مناسب لأي شكل من أشكال الاستثمار فيه.

ثالثًا: إن المجتمع الدولي يرصد منذ مدة غير قصيرة كيف أخلف لبنان بكل تعهداته المتصلة بالإصلاح المالي والاقتصادي، وذلك تحت «ضغط قوى الأمر الواقع» وابتزازها منذ نحو 15 سنة، وكان آخرها التعهدات بعد مؤتمر «سيدر» (عام 2018). وبطبيعة الحال، تفاقم الوضع أكثر بعد انتفاضة «17 أكتوبر» الماضي التي أطاحت حكومة سعد الحريري الائتلافية وتسببت في تنصيب تشكيلة وزارية تابعة لـ «حزب الله» وحليفه التيار الوطني الحرّ (التيار العوني).

رابعًا، أن «قوى الأمر الواقع» ربطت فعليًا الوضع اللبناني بالخريطة السياسية والاقتصادية والعسكرية الإقليمية التي تعمل من أجلها. وكان من نتائج ذلك تسارع الانهيار في كل من لبنان وسوريا، التي تحوّل لبنان، منذ بعض الوقت، إلى مركز لغسل أموالها ومتنَفسًا - عبر الحدود المفتوحة - لنظامها المعاقَب دوليًا، والمحاصَر حاليًا بـ «قانون قيصر» الأمريكي. وكانت كلمة الأمين العام لـ «حزب الله» الأخيرة لافتة في دعوته الصريحة لتوجّهات اقتصادية بديلة تخرج لبنان من النظام المالي العالمي وترهنه للمعسكر الذي تقوده طهران بتواطؤ روسي - صيني.

بناءً عليه، أعتقد أن التفاؤل بأي دعم عربي أو دولي في ظل الوضع القائم مسألة غير واردة. والأهم، أن هذا الوضع يوضح أكثر «خطوط المواجهة» بين إيران وأدواتها من جهة، والمواطن اللبناني والعالم العربي والمجتمع الدولي من جهة ثانية.

أما ما يخصّ العراق، فإنه شهد خلال الأيام الفائتة «اختبار قوة» مهمًا بين حكومة مصطفى الكاظمي والميليشيات المحسوبة على إيران، ومنها «كتائب حزب الله» العراقي. وبالتزامن تقريبًا مع هذا الاختبار، تحدّث ناطق حكومي عراقي عن ضرورة حصر السلاح بالدولة. وهذا موقف متقدم، أيضًا يزيد وضوح «خطوط المواجهة» بين إيران وأدواتها من جهة والمواطن العراقي والعالم العربي والمجتمع الدولي من الجهة المقابلة. ثم إن ما يزيد من أهمية ما يحدث ورود تقارير من إيران تفيد بأن العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، ومعها جائحة كورونا، باتت تؤثر سلبيًا على حجم الدعم المالي والعسكري الإيراني لميليشياتها العراقية. ولقد ازداد الحال سوءًا خلال الأشهر القليلة الماضية، مع إغلاق الحدود لمنع تفشي الجائحة.

ووفق بعض التقارير، فإن قسمًا من الأموال الإيرانية المُرسلة إلى العراق كان يُرصد عادة لعمليات تشمل شنّ هجمات على الأهداف الأمريكية. وقدّر أحد المصادر أنه منذ مطلع العام الحالي تراجع حجم الإمدادات المالية الشهرية المقدّمة لكبريات الميليشيات العراقية من نحو 4.5 أو 5 ملايين دولار إلى ما بين مليونين وثلاثة ملايين دولار.

وهكذا، فرض تراجع أسعار النفط وعجز الميزانية والعقوبات، إلى جانب جائحة كورونا، على طهران الحد من إنفاقها العسكري، وبضمنه مخصصات «الحرس الثوري»، ما انعكس وينعكس على الصورة الإقليمية في العراق ولبنان وسوريا. ولعل هذا ما دفع بريان هوك، المبعوث الأمريكي الخاص بشؤون إيران، إلى القول إن العقوبات الأمريكية لها تأثير على تمويل إيران للميليشيات، «وتقدم أدلة إضافية على أن حملة الضغوط الأمريكية القصوى ناجعة» في حرمان طهران من الإيرادات اللازمة لتمويل وكلائها وأعمالهم المزعزعة للاستقرار في أنحاء المنطقة. ختامًا، سواءً في العراق أو في لبنان أو في سوريا، أزعم أن لا خلاص إلا بدولة حقيقية.

لا شرعية لسلطة حكم تعجز عن ضمان الحياة الكريمة للشعب، ولا حاجة إلى دولة تتجاهل أسباب معاناتهم، ولا مسوّغ لفكر سياسي لا يفهم «المقاومة» إلا مقاومة حق المواطن في لقمة العيش.

عن الشرق الأوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها