النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11518 الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الموافق 3 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

عقود الياسمين

رابط مختصر
العدد 11421 الأربعاء 15 يوليو 2020 الموافق 24 ذو القعدة 1441

كان بيت الوالد يرحمه الله قريبًا من مركز التجارب الزراعية بالبديع، وفي أشهر الصيف ليلاً، حيث لم نعرف بعد مكيفات الهواء كان النوم على «السيم» أو الدعون، وهي كانت تقام في أحواش البيوت من جذوع وسعف وجريد النخيل والاكتفاء بالهواء أو نسايم الهواء ورطوبة الجو، وإن كان الاستيقاظ مبكرًا بسبب إشراقة الشمس وإجبارنا على مغادرة الفرش، وإن كانت هي الأخرى قد أصابتها الرطوبة المرتفعة في أشهر الصيف. وقتها كنا نرتاح لبعض النسيم الذي يحمل في مروره علينا روائح الياسمين والرازقي، والورد المحمدي (البلدي) والمشموم من حديقة البديع الغنّاء التي كانت تضم بين جنباتها كل فواكه وخضروات البحرين بالإضافة إلى الورود والزهور العطرية.

عقود الياسمين والرازقي وشك المشموم كان من اختصاص نساء بلادي فهن كن يتفنن في تهيئة العقود للمناسبات، كما أنها تعتبر من بين أدوات الزينة النسائية، بالإضافة إلى تزيين البنات الصغيرات بهذه العقود في المناسبات المفرحة، أما الرجال فكانوا يعملون العقود من الخلال وهي إحدى مراحل رطب النخيل تبركًا بمقدم ثمار النخيل في بلد عرفت «ببلد المليون نخلة» البحرين.

ما أجمل أن نتذكر كل تلك المظاهر التي تنم عن الإحساس بالجمال، والاستفادة من خيرات البلاد في مجالات متعددة. كانت بيوتنا وأحواشنا لا تخلو من أشجار النخيل والتين والباباي والكنار (النبق)، والياسمين، والرازقي، والورد المحمدي، إضافة إلى المزارع في طول البلاد وعرضها وما يعرض في أسواق الخضروات والفواكه في المنامة والمحرق والرفاع وبقية مدن وقرى البحرين، فقد كان عندنا الاكتفاء الذاتي بما تجود به أرض البحرين الخيرة المعطاء. وخيرًا فعلت حكومة مملكة البحرين في إقامة أسواق المزارعين في البديع وفي منطقة سلماباد، تشجيعًا للمزارعين، وإحياءً للجهود التي كانت تبذل في الزراعة، وتلبيةً لرغبات المواطنين في اقتناء ما تجود به أرضهم ووطنهم من خيرات، وقد أبدع البحرينيون في ذلك عندما أتيحت لهم الفرصة وإن كنا نحرص على أن لا تباع في هذه المحالّ إلا خضروات وفواكه البحرين، وإن كان السعي لزراعة بعض المحاصيل التي لم تكن موجودة سابقًا في أرضنا والاستفادة من تجارب الآخرين أمر مشروع والتنوع مطلوب، وبالفعل أثبتت بعض التجارب أن بالإمكان زراعة ما لم يكن موجودًا في البحرين سابقًا ولكن بالإمكان زراعته حاليًا مع بعض التهجين والتطعيم والتركيب، فالخبرة الوطنية ولله الحمد موجودة والاستفادة من خبرات الآخرين مطلوبة.

الدولة في الأسواق المركزية المفتوحة كسوق المنامة المركزي، وسوق المحرق وسوق الرفاع سهّلت وجود أنواع كثيرة من الخضروات والفواكه التي تأتينا من جوارنا الخليجي العربي وبعض البلدان العربية والآسيوية والأفريقية، فأسواق البحرين مفتوحة لمثل هذه البضائع وتلبي رغبات المواطنين والمقيمين ولكن تظل أسواق المزارعين البحرينيين ذات رونق وإحساس وشعور مختلف، فما أجمل أن ترى الإقبال على ثمار أرضك ووطنك وتتعامل مع أبناء جلدتك تفهمهم ويفهمونك وتدخل معهم في حوارات وأسئلة ممتعة ويثيرون الفضول لديك في أن تجعل في منزلك حديقة ولو صغيرة تفتخر بها وتجود عليك بثمار أرضنا الطيبة!

كان الياسمين والرازقي والورد المحمدي والمشموم أسياد الأفراح في وطننا، وكنا نرتاح لهذه الروائح العطرية، فالحرص على هذه المزروعات كان الشغل الشاغل في كل حديقة منزلية، بل أن المشموم دخل في التركيبات العلاجية للطب الشعبي وأصبحت فوائده تتعدى عطريته إلى العلاج، كذلك أوراق الحناء التي تستخدم في أغراض شتى وبينها العلاج بالأعشاب ضمن الطب الشعبي إضافة إلى أوراق الثمار الأخرى التي فيها فوائد جمة.

نحتاج فعلاً إلى إعادة النظر في تلك المزروعات العطرية التي هي بدورها لا تشغل مساحة كبيرة كما أن استهلاك الماء قليل وقد تكتفي بقطرات الندى، ولكنها في المناسبات والحاجة لها تذكرنا بقيمة أن يكون ما فيه فائدة لك ولأسرتك من ثمار هذه الأرض الطيبة المعطاء لا غرابة إذا ما وجدنا أنه في كل منطقة أو قرية في البحرين تميز عن سواها في المزروعات والطعم والحجم ففي هذا التنوع إثراء وإغناء، والبناء عليه من ضرورات الحياة، وهذا يتمثل أيضًا في ثمار النخيل الرطب رغم نفس المسميات إلا أن الاختلاف قد يكون في الحجم والطعم، وهذا أيضًا ينحسب على أنواع أخرى من السمك كالصافي والشعري وأنواع أخرى في جزيرة حوار والبديع وستره والمالكية والحد والزلاق والدير وسماهيج وعسكر وجو والدور والقرى الشمالية والجنوبية الأخرى.

إن الحرص على المزروعات البحرينية يجعلنا نفكر فعلاً في إيلاء الزراعة الأهمية القصوى، فبالإضافة إلى التنوع الصناعي المحمود الذي تشهده بلادنا، فإن الاهتمام بالزراعة والثروة الحيوانية أمر استراتيجي وضروري وحتمي، فالغذاء أمان للمجتمع ورصيد إذا ما ضاق الحال.

متّع الله بلادنا بخيراتها وأسبغ علينا نعمه ووفق القائمين عليها لما يعود على الوطن والمواطنين بالخير والنماء في ظل قيادتنا الرشيدة حفظهم الله ورعاهم الحريصين على تشجيع ودعم المشروعات التي تصب في صالح هذا الوطن العزيز وأهله الأوفياء.

وعلى الخير والمحبة نلتقي...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها