النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11448 الثلاثاء 11 أغسطس 2020 الموافق 21 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

اغتيال الهاشمي

رابط مختصر
العدد 11421 الأربعاء 15 يوليو 2020 الموافق 24 ذو القعدة 1441

 من أفظع أنواع القتل، وأشدها غدرًا واسترخاصًا لأرواح البشر الاغتيالات السياسية، إذ يهدف مرتكبوها في بعض المجتمعات، وخاصة منها تلك التي يتجذر فيها وجود سرطان التيارات السياسية الإسلاموية المتطرفة التي تخشى أن تكون الديمقراطية فيصلا في حسم قضايا الاختلاف، إلى التخلص من المختلفين معهم فكريًا وثقافيًا وسياسيًا وإسكات أصواتهم ظنًا منهم أن الأفكار تموت بموت أصحابها. عمليات الاغتيال يمكن أن تتم بواسطة شخص واحد أو مؤسسة، ويمكن أن تجري ويُخطط لها بتحالف أكثر من شخص أو مؤسسة. وغالبًا ما يوظّف أشخاص من المجتمع نفسه لتنفيذ الاغتيال، أو يتسلل فريق استخباراتي مدرب إلى الدولة التي سينفذ فيها الاغتيال بتواطؤ من خونة لا يرون مانعا في هدر دماء واحد أو جماعة من أبناء وطنهم؛ لأنهم يخالفونهم الرأي، أو لأن ثمن الخيانة قد استمالهم فآثروا الاستنفاع بدولارات العار على خواء أوطانهم وخرابها. ومما ينبغي الإشارة إليه هو أن الهدف من أي عملية اغتيال ترتكب هو التخلص من شخصية ذات تأثير في مسار الأحداث، بحيث إذا تم التخلص من الشخصية المراد اغتيالها تنفتح الطريق أمام المغتالين ويسهل تنفيذ الأهداف التي ظنوا واهمين أنها ستتحقق بمجرد هدر دماء المغتال المؤثر. 

 الاغتيالات قديمة قدم السياسة وقدم التنازع على الحكم، وإنها سلاح ضعيف الحجة دائمًا يلجأ إليها المتطرف إذا ما انسدت أمامه الآفاق، فعندها لا يجد إلا لغة الدم وسيلة لفرض سلطته. وفي واقع الحال يبدو أن المجتمعات العربية، تسجل -مع الأسف- في هذا الزمن الرديء الذي تتكاثر فيه الجماعات الراديكالية النابذة للمختلف، سبقًا في عدد الاغتيالات السياسية مقارنة بالمجتمعات المتحضرة الأخرى، والسبب في ذلك وعي متدن هابط يرى أصحابه أن الاغتيالات تنهي المعارضة للسائد السياسي والثقافي والحضاري وتتيح للسائد التخلص ممن يعارضه في التوجه. والشواهد المؤكدة لهذه الحقيقة المؤلمة تواترت في عصرنا العربي الراهن، فمن منا لا يذكر اغتيال المفكر المصري الحر فرج فودة ومحاولة نحر نجيب محفوظ واغتيال حسين مروة وتفجير سيارة رفيق الحريري في لبنان، وسفك دماء المستشار هشام بركات في مصر وشكري بالعيد في تونس... وغيرهم ممن تعددت أسماؤهم والقاتل واحد: إسلام سياسي لا دور له إلا تخريب الأوطان وإعاقة تحولها إلى مثال دولة المواطنة والقانون. 

 ضمن هذا الإطار يأتي اغتيال الكاتب والباحث والخبير الأمني، والوطني أولاً وأخيرًا هشام الهاشمي؛ لينضم رحمه الله إلى قائمة طويلة من شهداء الوطنية والفكر والحداثة والمدنية العربية. قافلة شهداء الوطنية الصادقة كما يلاحَظ، وكما أشرت سابقا، تمت بإيعاز من تيارات سياسية إسلاموية سنية وشيعية، وهذا بالضبط ما حدث لهشام الهاشمي الذي غدرت به الميليشيات الولائية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإيران، وتشير بعض التقارير الصحفية إلى تورط حزب الله تحديدًا. امتلك الهاشمي رؤية ثاقبة وفهمًا واسعًا لمجريات الصراع في الساحة العراقية وإيمانًا عميقًا بمعنى الديمقراطية الحقيقية بما هي ولاء للوطن وحده وإدارة سياسية للخلافات بعيدًا عن منطق المحاصصات البغيض، وكانت، كما يقول المقربون منه، تربطه مع الكل علاقات جيدة في إطار المواطنة، بما في ذلك الأحزاب الولائية، وهذه المواصفات وإن كانت مطلوبة لإخراج العراق من أزمته إلا أن ذلك لم يكن ليعجب إيران؛ لأنه مخالف لمشروعها التخريبي لما تبقى من العراق الجريح، ولم يكن ليرضي الجماعات الإيرانية الولائية التي سبق لها أن كفرت هشام الهاشمي واتهمته بالخروج عن الملة، وهو ما يعني في عرف الجماعة هدرًا لدمه وتمهيدا لتصفيته.

 اليوم وقد ووري الهاشمي الثرى ضحية لاحترابات طائفية وانقسامات سياسية وفوضى أمنية فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل بوسع الحكومة العراقية أن تتخذ التدابير الضرورية لجلب القتلة إلى القضاء لينالوا القصاص؟ وهب أن تكون الثقة مطلقة في وعود رئيس الحكومة السيد الكاظمي ومصداقية القضاء العراقي لا تشوبها الشبهات، فأي جهاز أمني عراقي سيجلب المتورطين في عملية الاغتيال هذه إلى القضاء؟ منطقًا هذا سؤال لا ينبغي أن يطرح لأنه من المفترض أن تجري الأمور على النحو الذي تساءلت عنه، غير أن تدني الثقة في ملاحقة أمنية حقيقية، في ظل تغول الأحزاب السياسية الإسلاموية الشيعية التابعة لإيران والجاثمة على السلطة، سيحول على ما يبدو دون تحقق فكرة جلب المتهمين ومثولهم أمام القضاء، بل سيجعلها فكرة خيالية وحلمًا من أحلام اليقظة. الخشية، إذًا، أن تلقى هذه القضية مصير قضايا اغتيال كثيرة جدًا حصلت في العراق منذ عام 2003.

 الاغتيال، وهذا ما ينبغي التركيز عليه، حيلة العاجز عن إقناع الآخرين بصحة أفكاره ومعتقداته ومنحاه السياسي، ومن يقدم على الاغتيال يفتقد إلى ميزة فن التعايش مع المختلف، وكائن يكفر بفكرة الدولة ولا يؤمن بمبدأ الحوار عنوانًا لحل الخلافات والاختلافات السياسية تحت سقف الدولة وقوانينها ومؤسساتها. 

 اغتيال الهاشمي رسالة تخويف بائسة موجهة إلى التيارات المدنية التي تقود الاحتجاجات في العراق معبرة عن رغبة العراقيين في تأسيس عراق جديد. عزاء العراقيين اليوم وأملهم بغد أجمل هو أن التيارات المدنية التي تقود الاحتجاجات منذ أكثر من عشرة أشهر لم يخفت صوتها ولم تخشَ إرهاب الخونة ولا أصحاب الولاءات الطائفية، بل إن حضورها يتعزز ويرتفع صوتها لبناء دولة مستقلة القرار لا تتبع إيران. ما يميز المحتجين في العراق أنهم ينبذون الطائفية ويرفعون شعارات الوحدة الوطنية، وهي نفس الشعارات التي كان يتبناها المرحوم هشام الهاشمي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها