النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11448 الثلاثاء 11 أغسطس 2020 الموافق 21 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

الأفضلية «للمهارات» ومفهوم جديد «للبطالة»

رابط مختصر
العدد 11420 الثلاثاء 14 يوليو 2020 الموافق 23 ذو القعدة 1441

لا يمكن التقليل من أهمية الشهادات الجامعية وما يسهم فيه اصحاب الشهادات من تقدم لمجتمعاتهم في شتى المجالات ولكن لا يمكن ايضًا التقليل من أهمية المهارات والخبرات في سوق العمل ولابد من الاعتراف بأن هناك خللاً نتج عن تفضيل اصحاب الشهادات في اغلب مجالات العمل لاسباب تراكمية كثيرة منها ان عدد حملة الشهادات كان في السابق قليل ويعتبر من حصل على شهادة علمية انه تحصل على تعليم متقدم يؤهله للقيام بالعمل بشكل افضل من غيره، ومع تطور هذا المفهوم ترسخت قناعة عند الغالبية ان الشهادة هي الضمانة الاولى للحصول على وظيفة ولكن لم يتوقف الكثيرين عند الاثر الذي تسببت به هذه القناعة من عزوف الغالبية العظمى من اصحاب المهارات للعمل في مجالهم انما فضلوا مزاحمة الجميع في الحصول على الشهادة الجامعية «الضامنة» للوظيفة فمن غيرها لن يتم النظر على سيرتهم الذاتية وإعطائهم فرصة الحصول على مقابلة وظيفية. 

يقول عالم الاجتماع الفرنسي «غوستاف لو بون» إن هناك مفهوم خاطئ انتشر عند الغالبية يقوم على اساس ان التعليم بمراحله الاساسيةمن الابتدائية وحتى الحصول على الشهادات العليا يعني بالضرورة حصول الجميع على فرص متساوية، انما وقاع الحال هو اننا ظلمنا الحرفيين واصحاب المهارات او التعليم المهني من تطبيق مهاراتهم بشكل يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع وبهذا لم نحقق المساواة انما بخلق خلل كبير بين الاحتياجات الفعلية للسوق وبين التنوع البشري في الامكانيات والمجالات بحسب كلامه. والحديث عن التعليم والحاجة لتطويره هو الحديث الذي لا يختلف عليه اثنان اليوم ولكن ما يجب الانتباه له هو الحاجة لاعادة النظر في النظام التعليمي بالكامل وليس مجرد تطوير التعليم بناء على المنظومة التعليمية الحالية التي ساهمت عالميًا بخلق هذا الخلل وظلمت سوق العمل، واصحاب الاعمال الذين بدل ان يوفر لهم السوق اصحاب مهارات تتناسب مع احتياجاتهم، وفر لهم فائض من اصحاب شهادات لا تتوفر فيهم متطلبات سوق العمل. 

وهذا يدفعنا للحديث عن نتائج هذا الخلل الذي اجتهدت كل دول العالم للتقليل من اثاره من غير معالجة اسبابه وهو موضوع «البطالة»، فمؤشر البطالة هو من اهم المؤشرات التي يتابعها اصحاب القرار ويرسمون السياسات التي تحافظ عن نسب منخفضة للبطالة ولكن تبقى اغلب تلك السياسات مؤقته ومكلفة لانها تحاول التخفيف من الضرر لا معالجة اسبابه بشكل جذري. فعندما تضخ الحكومات السيولة وتشجع القطاع الخاص على توظيف اكبر قدر ممكن وتجتهد كذلك في توفير فرص عمل في القطاع العام كل ذلك يعتبر تدخل جراحي خارجي بعكس التطور الطبيعي الذي يخلق فرص عمل بحسب الحاجة الفعلية وبالتالي يجتهد الافراد كل في مجاله لتطوير «مهاراته» للحصول على فرص عمل، فرص العمل لا تعني بالضرورة وظيفة، ولكن هذا موضوع آخر ويحتاج لشرح مسهب. 

إنما بالعودة لموضوع «البطالة» تطرق رجل الاعمال والاعلامي حسين شبكشي في مقال له يوم الاحد الماضي بجريدة «الشرق الاوسط» بعنوان «غربلة سوق العمل» وسلط الضوء على اهمية اعادة تعريف مفهوم «البطالة» بسبب التوقعات بزوال بعض الوظائف وظهور احتياجات «لمهن» جديدة لم تكن موجودة في السابق، فإن الامر التنفيذي الذي وقع عليه ترامب بإعطاء الأولوية لاصحاب «المهارات» في التوظيف الحكومي بدل الشهادات الجامعية سيكون له دور محوري في تغيير منهجية التوظيف، وبالتالي شكل سوق العمل وبشكل غير مباشر فيتغير شكل ومناهج الجامعات والمعاهد وربطها بشكل افضل مع سوق العمل. 

تطرق شبكشي لتعريف وزير المالية اليوناني الاسبق لمفهوم البطالة، حيث يقول في كتاب له اسمه «الاقتصاد كما اشرحه لابنتي» انه فيالواقع لا وجود لشيء اسمه البطالة، انما هناك مشكلة في قبول العاطل عن العمل بالوظائف المتوفرة وما توفره من مدخول اقل مما يتوقعه العاطل عن العمل، فيقول «ان العاطل عن العمل مشكلته ليست في عدم وجود وظيفة متاحة، ولكنه باختصار لم يجد الشخص او الشركة المستعدة لدفع المقابل المالي الذي يطلبه» ويستشهد بذلك على مثال لتبسيط الصورة في من يعرض سيارته للبيع بسعر معين ويشتكي منعدم وجود مشترين، ولكن في الحقيقة بحسب كلامه انه لم يجد مشتري بالسعر الذي يتوقعه او يطلبه انما لو عرضها بسعر مغري فإن احتمالية الحصول على مشترٍ ستكون أكبر وأسرع. 

ولكن هل يمكننا ان نطبق هذا المفهوم الجديد «للبطالة» ويتقبله المجتمع وبالذات الباحثين عن عمل وهم يعانون في البحث عن «وظيفة مناسبة» تتوافق مع «شهاداتهم»؟ من الصعب تصور ذلك واذا اضفنا لذلك اعداد كبيرة من الموجودين على مقاعد الدراسة في الجامعات والذين ذهبوا اساسًا للدراسة الجامعية لان شهادتها هي السبيل الاساسي للحصول على وظيفة «مناسبة»، عندها تصطدم التوقعات مع الواقع، واننا بوجود تخصصات ومخرجات لا تتوافق مع متطلبات سوق العمل نزيد من تعقيد المشكلة ونضع انفسنا في وضع مثل الجريح الذي اتسع جرحه وزاد نزفه فينصب تركيزه على وقف النزيف من الخارج لان لا وقت لديه للتفكير في اسباب النزيف ومعالجتها، انما اليوم وبعد قرار ترامب اصبح هناك بصيص أمل في التوقف واعادة النظر في موضوع التعليم وسوق العمل وتحديد مكامن الخلل لكي تكون معالجتها جذرية هذه المرة وتمكن الجميع من ان يتساووا في الحصول على حياة كريمة لا في الحصول على شهادات ومعلومات ومعرفة متساوية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها