النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11564 السبت 5 ديسمبر 2020 الموافق 20 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

المسيرة الطويلة بين الإنسان والبيت 5/‏5

رابط مختصر
العدد 11419 الإثنين 13 يوليو 2020 الموافق 22 ذو القعدة 1441

اذا ما كان شخصية «السرداب» تعبير عن الأنا المرتجفة الخائفة عند ديستوفسكي، هذه الشخصية المغلقة على نفسها، الانانية، الحقيرة، الكسولة وكره الناس، تنسجم وخصوصية بطل «الجحر» لكافكا مع ضخامة الشعور بالخوف حتى وهو داخل البيت /‏ الجحر وإحساسه بأن ملكيته في خطر ومهددة بالاغتصاب والتدمير، واختلاط الوهم بالحقيقة، ذلك البيت النموذج الروائي أو القصصي يصفه المفكر الفرنسي روجيه غارودي كقضية معاصرة ومسألة احساس الحيوان بالغربة، وظاهرة الانسان المذعور كالفأر في مواجهة ميكانيزم حياة قاسية بقوله: «من فرط حرص الانسان على إعداد مسكن له فإنه يختلط هو نفسه بالنظام الذي اقامه ومع النظريات التي يجهزها لكي يسد بها الشقوق التي تفتحها الحياة في افكاره وأبعاده، وهكذا تكون الغربة شاملة». كل تلك البيوت المشار اليها تختلف في مضامينها وأبعادها، قلق شخصياتها ومعاناتهم، فواقع المرأة في بيت ابسن النرويجي ليس إلا حياة مملة وبرجوازية تتوق فيها المرأة للانعتاق.

إن بيت ابسن هو النرويج مع بداية الصراع الاجتماعي ونفوذ الطبقة البرجوازية وهيمنتها. أما ارواح وبيوت ايزابيل الليندي، فليست إلا تشيلي الدكتاتورية بعسفها وظلماتها محاولة تلك الارواح الخروج من عسف البيت المميت، موحية لنا بالسجن الاجتماعي لواقع التشيلي الذي استحال برمته إلى «بيت كبير ومظلم» تتحرك فيه الارواح خائفة وفزعة مهما كان نوعها، أرواح لا تعرف متى تموت. ومهما تنوعت الامكنة فإنها تحمل في جوهرها خصائص البيت. لذا ليس من الغريب ان يعيد كتابة تراث حكائي ثري المعنى لكل شعوب غرب افريقيا للكاتب الغيني ابراهيم دياري في رواية «بيت الاهل ولا بيت غيره».

 وقد اثار استغرابي غياب «عنوان البيت» في جميع القصص القصيرة المكتوبة في البحرين والامارات ما بين فترة (1970-1995) والتي تزيد على الف قصة بالاضافة للرواية. فلماذا غاب هذا العنوان الى هذه الدرجة؟ ألا يحتل البيت مكانة خاصة في حياة كاتب القصة في البلدين؟ نلمس تلك العلاقة في بنية القصة ولا نراه في العنوان الخارجي «المفتاح» بينما هناك اهتمام كبير بعناوين للأمكنة الاخرى كالزنزانة والنافذة والمقهى والقبر والمدينة والحديقة إلخ، بينما ألغت ذاكرة الكاتب حضور البيت حتى على مستوى «العناوين!» فشكل غيابا مطلقا لدى الجميع. لسنا هنا بصدد تفسير هذه الظاهرة الآن والتي بحاجة الى وقفة اكثر تأملا ودراسة كبقية الظواهر النفسية والسوسيولوجية والفكرية.

خارج نطاق سياج البيت يشكل عالم الشارع عنصر التناقض ما بين الفضائين باختلافهما. إذا اعتبرنا البيت مكانا مغلقا ومغلفا بالاسرار، فإن الشارع يشكل في الادب والفن والحياة فضاء مفتوحا تكتنفه الاسرار والعلانية، كما يتجاوز الشارع كمفهوم ومكان، بعده الجغرافي والهندسي ليصبح ذا أبعاد رمزية ودلالية. ففي الشارع ينعدم الامان لكونه المكان المفضل للصعاليك والمشردين والحثالة، لذا يصبح مفهوم «رجل الشارع» و«ابن الشارع» في فكر الارستقراطي مصطلحا سلبيا الى درجة ينجر فيها التربويون الى اعتناق هذه الفلسفة

 إلا ان المحدثين منهم يعيدون النظر الى تلك المفاهيم البالية، فالشارع هو «الخبرة الاولى التي يتعرف عليها الطفل بعد تجربة البيت» ويدرك فن العبور ووعيه في عالم مزدحم، فتشكل ذاكرته الصورة المبكرة للشارع المليء بالتناقضات والتنوع الثقافي والحياتي، فللشارع وجوه عدة ومضامين مختلفة وهو كيان مرتبط بحياة كاملة من تجارب الانسان وعلاقاته. من هنا يصبح الشارع نتاج المدينة وتطورها منذ عصر الحضارة. هكذا يحمل الشارع نبض الانسان وأوجاعه ويخرج اليه هاربا من الامكنة حين «يضيق به المكان» بحثا عن الهواء والتنفس. الشارع وحده يمنح الناس الشعور بوجودهم ولملكيتهم الجماعية، هناك تزدهر الحرية وتقيد بالانظمة، وفيه تتكاثر الجريمة ويعلو الصراخ والضجيج وتفوح الروائح الكريهة. ولمعرفة الحس العام في الشارع ونبضه، تغرق ارصفته وجدرانه بالبيانات والملصقات والصور الدعائية، الشارع قوة اجتماعية للاحتكاك والمباشرة والتلقائية. الشارع كيان مخادع وكذاب وله ضحاياه ومرتادوه. الشارع كالبيت مكان نحن فيه وهو فينا ولا يمكننا الاستغناء عنه إلا لردح من الزمن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها