النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11442 الأربعاء 5 أغسطس 2020 الموافق 15 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:38AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

الأخلاق عند آدم سمث

رابط مختصر
العدد 11417 السبت 11 يوليو 2020 الموافق 20 ذو القعدة 1441

من المثير لدهشتي أن يهتم أبو الرأسمالية والاقتصاد الحديث آدم سمث (1723 – 1790) بالأخلاق والعدالة، فالرأسمالية الليبرالية التي قام بتأسيسها، في صورتها المعروفة هي نظام يستغل البشر ويقيم على أنقاضهم وبؤسهم ثرواته الهائلة، حتى أن المفكرين يصفون الرأسمالية بالتوحش، لكن هناك تفاصيل مهمة عن آدم سمث تبرئه من تبعاتها الكارثية الضارة. نحتاج هنا إلى فهم وتفصيل بعض آراء هذا الفيلسوف الأخلاقي التي وردت في كتابه (نظرية المشاعر الأخلاقية) الذي صُدر في العام 1759. 

كان آدم سمث يُدّرس فلسفة الأخلاق في جامعة غلاسغو ولم يكن رأسماليًا بالمهنة، بل مفكرًا انشغل بالعدل والخير العام والفضيلة وإسعاد البشر. لماذا إذن يتحدث آدم سمث عن الأخلاق وفِي كتاب متخصص صُدر قبل كتابه الأكثر شهرة الذي بنى عليه أسس الرأسمالية الحديثة: (ثروة الأمم) وصدر في العام 1776. ويعتبر الكتابان أهم إصدارات هذا الفيلسوف الاسكوتلندي الذي إعتبره مواطنوه أحد أعظم الرجال في تاريخهم. وكتاب نظرية المشاعر الأخلاقية في وقته إعتبر فتحاً علمياً، فيما إعتُبر كتاب ثروة الأمم الكتاب الأهم في الاقتصاد الكلاسيكي. 

لن أتحدث هنا عن الكتاب الثاني الذي دعى فيه للحرية الاقتصادية غير المتوفرة في الغرب في القرن الثامن عشر، إذ كانت الحكومات الغربية تحاصر التجارة والاقتصاد وتثقلانهما بقوانين كانت تعطل النمو الاقتصادي والتجاري، فدعا آدم سمث إلى تطويرها وتغييرها واستبدالها بحرية الاقتصاد والتجارة، وبالفعل عندما ألغت الحكومات هذه القوانين بدأ الازدهار الاقتصادي في الغرب، إلا أن الرأسمالية الحرة في التجارة والاقتصاد أخذت مضامين كتاب ثروة الأمم الاقتصادي فنجحت وسادت وجمعت ثروات هائلة إلا أنها لم تلتفت إلى تعاليم آدم سمث الأخلاقية التي ضمنها في كتاب نظرية المشاعر الأخلاقية، فالرأسمالية حتى اليوم لم تحقق العدالة الاجتماعية التي اعتبرها آدم سمث حجر الزاوية للاستقرار الاقتصادي العام والتوافق الاجتماعي لا يمكن تجاوزها، فالعدل في عرفه ينشر السلام الاجتماعي بدل الصدام الاجتماعي، فآدم سمث عزز حقوق الفرد في المجتمع وأن يهتم بنفسه وأن يملك وأن يرعى مصالحه، على أن لا تتعارض هذه المصالح مع مصالح الآخرين (المجتمع)، وأن لا تسبب أضرارًا للمجتمع الذي يعيش فيه. 

وأسهب آدم سمث في شرح إحتياجات البشر ليعيشوا سعداء، مثل حق التملك والاهتمام بالذات والحرية الشخصية وغيرها من الاحتياجات والرغبات الطبيعية عند الإنسان، وفِي ذلك يقول: (فعلى الرغم من أننا نهتم بمصالحنا فإنه يتوجب علينا أن نرتب كيفية العيش مع الآخرين دون الإضرار بهم، وهذا هو الحد الأدنى الضروري لبقاء المجتمع)، إذن عند آدم سمث، لكي تكون أخلاقيًا وعادلاً في ممارساتك وسلوكك الاجتماعي لابد وأن تهتم بالآخرين كما تهتم بنفسك. 

هذه القاعدة الأخلاقية بوسعنا أن نبني عليها هرمًا كبيرًا من الحجج والحقائق وأن ندين بها الرأسمالية، ثم يسترسل آدم سمث فينصحنا قائلاً: «عند أي سلوك يصدر منك مع أفراد المجتمع الذي يفترض أنك تحبه اسأل نفسك هذا السؤال: ما هو انعكاس هذا السلوك أو الفعل على المجتمع؟ ما تأثيره على الآخرين؟ ويقول مفسرًا، إذا كان في سلوكك أي ضرر على الآخرين فيجب تغييره. فالسلوك المضر بالآخرين سيؤدي إلى التعارض الاجتماعي». 

وفي هذه الجزئية يذهب آدم سمث إلى ترسيخ قاعدة الانسجام والتناغم الاجتماعي بين الطبقات، فغياب الاهتمام الأخلاقي (بهذا المعنى وهذا المفهوم) سيؤدي إلى الاختلاف على المصالح، وستتضرر قاعدة العدل الاجتماعي ويغيب الإنصاف وتبتعد الفضيلة حسب رأيه، وهنا يصيب الضرر المجتمع. وفي ذلك يقول: «لذا يتمثل العدل في الكيفية التي يدافع فيها المجتمع عن نفسه ضد أي ضرر»، أي أن سلوك المجتمع تجاهك لتعديل موقفك الضار سيكون دفاعًا عن مصلحة الجماعة التي يجب أن تفوق مصلحة الفرد، أي أن الضرر الذي يلحقه بك المجتمع سيكون دفاعًا عن النفس. وماذا يجب ان نفعل لتحقيق العدل إذا تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة المجتمع؟ 

يرى آدم سمث في هذه الحالة أن نفرض على الفرد ما يدفع الضرر عن المجتمع، يقول: «إننا نجبر الناس على الإمتثال لقواعد العدل لأن المجتمع لا يمكنه الاستمرار دونها»، تتضح هنا أن آدم سمث كان يتوقع أن تتضارب مصالح الفرد أو قلة من الأفراد مع مصلحة الجماعة /‏ المجتمع، وأن على الرأسمالية (التي تمثل أفرادًا قلة) الامتثال للقوانين العادلة التي تحقق مصلحة المجتمع. إذن، يتضح من ذلك أن الرأسمالية لم تلتزم بهذا الشرط الأخلاقي الذي اعتبره آدم سمث ضرورة حتى هذه اللحظة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها