النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11518 الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الموافق 3 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

المسيرة الطويلة بين الإنسان والبيت 5/‏4

رابط مختصر
العدد 11415 الخميس 9 يوليو 2020 الموافق 18 ذو القعدة 1441

  • هذه المسيرة الطويلة بين الإنسان والبيت ظلت حتى الآن تتجذر وتتعمق بالبيت

 

يقدر المفكر الأمريكي آلفين توفلر أن هناك عودة متزايدة للأعمال في البيت، وستحتل مكانة أفضل مع موجة الثورة التكنولوجية ونظام الخدمات وثورة الإعلام، فمنذ عصر المانيفاكتورة تراجع دور البيت والاقتصاد المنزلي، مشيرًا إلى تطور المشاريع المنزلية وتحسين خدماتها مع منظومة الشبكة الاجتماعية والإنتاجية الضخمة خارج البيت بقوله: «من المرجح أن الأمور ستتوقف كثيرًا على الطبيعة النوعية لكل مراكز العمل وكذلك على ما سيفعله سكان البيوت الإلكترونية لكي ينظموا أمور حياتهم». هذا الكلام قيل في كتاب خرائط المستقبل قبل ما يناهز 25 سنة مضت. إن تنوع البيوت وثراء وظائفها وازدياد أهميتها في حياة الإنسان، منح البيت العصري مسحة جمالية وهندسية تفرضها متطلبات الوقت، بحيث انضم البيت الزجاجي إلى قائمة النماذج الجديدة، فما عاد الأسمنت أو الطين أو الخشب والثلج والسعف والقماش والجلود وشعر البهائم وحدها المواد المكونة لعناصر البناء لبيتنا الموعود. 

كما ازدهرت اللغة والمفاهيم المتعلقة بالبيت، إذ إلى جانب عبارات البيوت المقدسة وبيوت الدعارة وبيت الأيتام والزوجية وغيرها، نلتقي بمختلف البيوت الحديثة ببعدها الدلالي مثل «بيوت الثقافة» و«بيوت الموضة» و«بيوت الديكور». 

هذا الواقع الجديد بغلافه الاجتماعي والمادي، يذكرنا بمفهوم البيت عند بعض الشعوب، فكلمة «قوزاقي» في اللغة التركية والتي انتقلت لاحقًا إلى اللغة السلافية وغيرها من اللغات، ما هي إلا كلمة تعني «مجرد إنسان بلا بيت ولا عشيرة»، أما الشعب الهنغاري في زمن غابر ونتيجة لفقدانه أراضيه، حيث بقي المجريون بلا نساء من جراء الضربة الماحقة من البلغار والبيتشيغيين وباختلاطهم بشعوب إخرى والسكان المحليين، فأصبحت الكلمات التي تخص اللغة الهنغارية المسكن والطعام والزراعة وبناء الدولة هي برمتها تقريبًا من أصل سلافي. 

هذه المسيرة الطويلة بين الإنسان والبيت ظلت حتى الآن تتجذر وتتعمق بالبيت، فالبيت ليس إلا الوطن الآخر في صورته المصغرة، من هنا ندرك عمق وجوهر العلاقة بين الإنسان/‏الشخصية والبيت، ونفهم سر احتواء غالبية رسوم الأطفال لتكوينات البيت في حياتهم سواء كانت بيوتًا سلبية أو إيجابية، ما دفع الناقد الأمريكي أوستن وارين إلى أن يقول: «إن بيت الإنسان امتداد لنفسه». 

وتحافظ القصة والرواية العالمية على «عنوان البيت» كمكان واقعي أو رمزي تتحرك فيه الأحداث والشخصيات، حيث تنسج هناك حياة كاملة، غنية ومتنوعة مثل «بيت تيليه» للقاص الفرنسي غي دي موباسان و«بيوت فيليبر» لجان لوران و«البيت الاخضر» للكاتب البيرواني ماريو فارغاس يوسا، كلها تتوافق مع طقوس وشعائر البيوت السرية الماجنة والبغايا، أما عند أوسكار وايلد «بيت الرمان»، وهنريك أبسن «بيت الدمية»، وأدغار آلن بو «بيت آشر»، وإيزابيل الليندي/‏التشيلية «بيت الأشباح» أو الأرواح، والكاتب الفرنسي الآن روب جرييه في عمله «منزل اللقيا»، وبيو باروخا الإسباني في «حيوات مظلمة وبيت من ايثكوري». كما نجد لدى أنطوان تشيخوف الروسي «المنزل ذو العلية»، و«قصة في البيت»، وأخرى بعنوان «في البيت الريفي». أما ديستوفسكي فقد كتب روايته «مذكرات من بيت الأموات/‏الموتى»، وكتب «مذكرات من السرداب»، وعلينا تخيل حياة القبو والسجون التي يرسمها ديستوفسكي بتفاصيل ونفسية عميقة لشخصياته وعالمهم. 

كم ستكون صعبة حياة إنسان يعيش في القبو في جائحة الكورونا كما هم العمال الأجانب المتكدسين وكأنهم في حظائر البهائم. ويعرّف فرانز كافا التشيكي بيته في قصة «الجحر» بأنه الموت والاختفاء عن عدو متربص. هذا البيت إما مصغرًا «كالجحر» أو مضخمًا «كالقلعة» ففي كليهما يبحث عن الحماية والأمان، محاولاً أن يغلق عالمه. هذا الجحر يمتد ويتوسع رمزيا إما في اتجاه الوطن أو النفس الإنسانية، فالبيت موزع بين الداخل، الجحر/‏البيت أو الخارج الوطن بدون عذابات، المكان ليس إلا بعدًا داخليًا أو خارجيًا، كما هو أيضًا لدى بيوت ديستوفسكي حيث الموت والسراديب، فسيبيريا السجن والمنفى بيت واسع ومغلق، حيث إنه الموت البطيء للإنسان، فنموذج بطل كافكا يتمازج مع شخصية دويستوفسكي في «السرداب»، فيقول ديستوفسكي عن شخصيته: «مبدأ البيت الخاص، الحفاظ الشديد على الذات والكسب من أجل الذات والتقرير للذات بالذات من خلال الأنا».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها