النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11448 الثلاثاء 11 أغسطس 2020 الموافق 21 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

أوروبا تطبق «عقيدة سيناترا» للتعامل مع الصين

رابط مختصر
العدد 11415 الخميس 9 يوليو 2020 الموافق 18 ذو القعدة 1441

  • أوروبا واقعة بين انعزالية الولايات المتحدة واستبدادية وتغول الصين

 

لا يمكن للمراقب إلا أن يجزم بتنامي الخلافات السياسية، ليس بين الصين والولايات المتحدة (فهذا بات جليًا واضحًا لا يحتاج إلى برهان)، وإنما أيضًا بين الأولى والاتحاد الاوروبي. فما كان قبل عدة أشهر سمنًا على عسل، صار اليوم كابوسًا يؤرق الجانب الصيني الذي بات يخسر من رصيده الورقة تلو الأخرى، وإن بدا للكثيرين من العناصرات اليسارية والقوى المعادية للغرب وجماعات التطرف والإرهاب والفوضى أن الصين قوية صامدة وسوف تكتسح العالم وتصبح الآمرة الناهية في شؤون الكون. وبالطبع لا يدرك هؤلاء مدى خطورة أن يهيمن نظام شمولي مثل النظام الصيني على مقدرات العالم، الأمر الذي يذكرنا بمواقف بعض العرب العاطفية تجاه النازية من منطلق عدائهم لقوى الاستعمار القديمة ليس إلا.

إن ما يعنينا هنا تحديدًا هو وجود منحى لخلافات صينية - أوروبية آخذ في التصاعد خلال الأشهر القليلة الماضية بالتوازي مع التوترات المعروفة بين واشنطون وبكين، وليس كسبب من أسبابها. ولعل من حسن حظ بكين أن لندن اليوم خارج رسم سياسات الاتحاد الأوروبي الخارجية، وإلا لشهدنا حالة تصادم حادة بين الصينيين والأوروبيين بسبب الديمقراطية المقموعة في هونغ كونغ. 

غير أن هذا لا يعني أن موضوع هونغ كونغ ليس ضمن الملفات التي تؤزم العلاقات الصينية - الاوروبية، فهو حاضر جنبًا إلى جنب مع ملفات خلافية أخرى مثل الهجمات السايبرية الصينية على المصالح الأوروبية، ومسؤولية الصين عن انتشار وباء كورونا المستجد وتداعياته الاقتصادية والإنسانية المؤلمة على مجمل الأنشطة في القارة الأوروبية.

 

 

وبطبيعة الحال هناك تفاوت في مواقف أعضاء التكتل الاوروبي الـ27 حيال الصين يتراوح ما بين موقف مهادن تجسده ألمانيا بسبب مصالحها وعلاقاتها الوثيقة مع بكين، وموقف متشدد تجسده السويد التي تطالب بضرورة معاقبة النظام الصيني بسب قمعها الشديد للهونغكونغيين، وموقف رخو تتبناه الدول الأوروبية الصغرى التي أغرتها بكين ببعض المشاريع الاستثمارية.

 لكن يمكن القول بصفة عامة إن الأوروبيين -بالرغم من أن الصين تعمل على شق صفوف الاتحاد الأوروبي باستغلال أوضاع دوله الأضعف اقتصاديًا (كاليونان) أو دوله الأكثر حاجة لتجديد بنيتها التحتية (كإيطاليا) من أجل ضمان اعتراضها على قرارات المفوضية الأوروبية ذات الصلة بالصين- لا يريدون تصعيدًا مع بكين على الطريقة الأمريكية، ويسعون بدلاً من ذلك إلى الحفاظ على شعرة معاوية مع القيادة الصينية أملا في تعاون دولي في المستقبل لمعالجة ما خلفته جائحة (كوفيد 19) من آثار عالمية مدمرة، ولتحقيق الأمن والسلام والاستقرار على مستوى العالم. لكن إن صدق ذلك فإن الاتحاد الأوروبي يغامر بواحدة من أهم مبادئه وقيمه، وبعبارة أخرى فإن سكوته عن القوانين الأمنية التي سنها الحزب الشيوعي الصيني للإطباق على أنفاس دعاة الحرية والديمقراطية في المستعمرة البريطانية السابقة، بالتضاد مع بنود الاتفاقية البريطانية - الصينية لإعادة هونغ كونغ الموقعة بين لندن وبكين عام 1984 سيجعل منه كيانًا غير موثوق به لدى شعوبه.

إنّ نظرة فاحصة على عناوين الصحف في الصين ودول الاتحاد الأوروبي الرئيسة مثل فرنسا وألمانيا حول لقاء القمة الافتراضي الذي عقد قبل مدة بين الزعيم الصيني شي جينبينغ ونظيريه الفرنسي إيمانويل ماكرون والألماني أنغريد ميركل، توحي لكل لبيب مدى اختلاف الجانبين في قراءتهما للأوضاع. ففي حين نشرت الصحف الصينية وعلى رأسها صحيفة الشعب اليومية وصحيفة غلوبال تايمز -كلتاهما مملوكتان للدولة وتأتمران بأمرها- عناوين مثل «شي يوجه رسالة شراكة إلى الاتحاد الأوروبي» و«الصين والاتحاد الأوروبي يسعيان إلى ضخ مزيد من الزخم من أجل استعادة عافية العالم»، فإن عناوين الصحف الاوروبية الحرة تراوحت ما بين المانشيات الثلاثة الآتية: «قشعريرة الحرب الباردة تجتاح الصين»، و«زعماء الاتحاد الأوروبي يضغطون على الصين في ملفات التجارة والقوانين الأمنية في هونغ كونغ»، و«الاتحاد الأوروبي والصين يتبادلان التهديدات حول قمع الحريات في هونغ كونغ».

وهكذ نرى أن إعلام الصين هو إعلام يعكس ما تتمنى القيادة الصينية حدوثه، فيما الإعلام الغربي هو صدى للواقع. ففي منتصف شهر يونيو قال رئيس المجلس الاوروبي شارلز ميشيل، خلال مؤتمر صحفي، إن الاتحاد الأوروبي أعرب للصين بوضوح عن اهتمامه بما يجري في هونغ كونغ، وخشيته من تبعات تطبيق القوانين الأمنية المقترحة. ولم يمضِ سوى وقت قصير إلا والناطق الرسمي باسم الخارجية الصينية «وانغ لوتون» يدلي ببيان يحذر فيه الاتحاد الأوروبي من التدخل فيما سماه «شيئًا داخليًا صينيًا خاصًا»، ويدعوه للكف عن ذاك.

هنا ظهرت رئيسة المفوضية الاوروبية السيدة أورسولا فون دير لين لتعلن لوسائل الإعلام بصوت غاضب أن المشكلة مع الصين أعمق بكثير، وتتجاوز أزمة هونغ كونغ «التي يحذرننا الصينيون من الاقتراب منها» إلى قضايا أخرى. 

وحينما سئلت عن هذه القضايا لم تترد في القول إنها تشمل الهجمات الإلكترونية الصينية على المستشفيات ومراكز البلاد الحساسة، ناهيك عن ارتفاع درجة التضليل الصيني على المواقع الإلكترونية فيما خص الوباء الذي تسببت في انتشاره، والعلاقات الثنائية غير المتوازنة في مجالي التجارة والاستثمار والتي تسودها الخلافات وتحف بها المخاطر وتحتاج إلى مفاوضات للتوصل إلى اتفاقيات تسوية شاملة وحاسمة.

 

 

وهذه النبرة الأوروبية ربما كانت جديدة على مسامع الرئيس شي جينبينغ ورفاقه في الدولة والحزب الأحمر الحاكم؛ لأن الاتحاد اعتاد أن يسمعهم كلمات الثناء والقبول بالصين كمنافس نظامي (بدلاً من وحش استبدادي غير مكترث بالمعايير الأوروبية)، بعد أن صارت ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. واليوم يستمعون إلى شيء مغاير لا يمكن تحمله، خصوصًا لو أخذنا في الاعتبار مشاكلهم السياسية والتجارية المتفاقمة مع الولايات المتحدة، ومشاكلهم المستجدة مع أستراليا بسبب طلب الأخيرة فتح تحقيق دولي حول منشأ تفشي فيروس كورونا المستجد وتهديدها للصينيين بالمقاطعة الاقتصادية. 

وجملة القول أن الاتحاد الأوروبي واقع اليوم بين انعزالية الولايات المتحدة واستبدادية وتغول الصين، الأمر الذي لم يترك لمسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل سوى أن يقول مؤخرًا، في معرض شرحه لسياسة التكتل الأوروبي تجاه الصين: «يجب أن نفعل مثلما فعل فرانك سيناترا، أليس كذلك؟ نفعلها على طريقتنا»، وذلك في إشارة إلى أغنية (على طريقتي My Way) للمغني والممثل والمنتج الأمريكي المعروف «فرانك سيناترا» (توفي 1998)، طبقًا لمجلة الإيكونوميست البريطانية. 

وهكذا بات لدينا اليوم في معجم المصطلحات السياسية مصطلح جديد، هو «عقيدة سيناترا».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها