النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11555 الخميس 26 نوفمبر 2020 الموافق 11 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:41AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

الهوية الوطنية صمام أمان

رابط مختصر
العدد 11414 الأربعاء 8 يوليو 2020 الموافق 17 ذو القعدة 1441

 عندما تتمسك المملكة العربية السعودية ومعها البحرين والإمارات وجمهورية مصر العربية بتحديد المهددات الخطيرة ومواجهتها بشكل مشترك مثل الخطر الإيراني أو التركي، نجد دولاً عربية مثل قطر تدخل في تحالفات استراتيجية مع الدول التي تشكل تهديدًا مباشرًا وخطيرًا على الدول العربية -حتى من قبل المقاطعة لكي لا يقول أحد إنهم أجبروا على التحالف معهم- وطبعًا لا داعي للحديث عن دول عربية أصبحت ضمن المحور الإيراني. لكن ما هو أسوأ من وجود توجهات متضاربة غاية في الخطورة، غياب المشروع الجامع. 

وعلى الرغم من أهمية الجهود الدبلوماسية، رسمية وغير رسمية، التي تقوم بها الدول العربية من أجل استصدار بيان «بالإجماع» للتنديد بموقف أو تأييد موقف آخر ولا يتبع ذلك خطوات «جماعية» ملموسة تكون بنفس مستوى «الإجماع» بالذات عندما يكون مستوى الخطر كبيرًا مثلما هو الآن مع ما يهدد أمن جمهورية مصر العربية أو الاعتداءات المتكررة على المملكة العربية السعودية بالصواريخ الحوثية - الإيرانية. وما يحزنني أكثر أن لا نسمي الأسماء بمسمياتها مثل ما ذكر الدكتور مأمون فندي في مقاله الأسبوع الماضي بجريدة «الشرق الأوسط» والذي أعطاه عنوانًا يغني عن الشرح «تنمر إقليمي أم عدوان؟»، ويقصد فيه مقالة نشرها الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير أحمد أبو الغيط سمى فيها الممارسات الإيرانية والتركية في المنطقة بالتنمر!! فإذا كنا لا نسمي الأسماء بمسمياتها فكيف لنا أن نمتلك مشروعنا «هويتنا» التي نواجه بها أي عدوان فنسميه «تنمر»!! وعلى هذا الأساس كيف أن يكون لنا دور في رسم شكل النظام العالمي بما يضمن مصالحنا الاستراتيجية؟ 

يحزنني أيضًا أن يكون العالم منشغلاً بصراع الهويات وتحديد أي منها سيقود العالم في المرحلة القادمة، ولكننا في العالم العربي بعيدين كل البعد عن الانخراط في هذا المعترك الذي سواء انشغلنا فيه أو لا سيؤثر علينا وسنضطر أن نتعايش معه وإن كانت نتيجة الصراع لا تتفق مع رؤيتنا ومصلحتنا فعندها سيكون الثمن كبيرًا جدًا علينا. 

ولكي ننخرط ونحاول التأثير لابد أن نعرف تمامًا أين نقف وما هي هويتنا التي نتمسك بها وما هي أدوات التأثير التي نمتلكها، فلا يعقل أن ننخرط في صراع هويات الغير ولا نمتلك هوية قوية واضحة المعالم والمبادئ ننطلق منها وعلى أساسها في كل تحركاتنا ومواقفنا. 

فمنذ نهاية الحرب الباردة وسيطرت معكسر واحد على الساحة الدولية ومؤسساتها العابرة للحدود خرجت علينا مجموعة من النظريات ومن أشهرها كانت لفرانسيس فوكوياما والمسماة «نهاية التاريخ»، إذ يعتقد ومعه كثيرون أن صراع المعكسر الغربي انتصر للهوية الليبرالية وهزم المعكسر الشرقي المقابل له بهويته الاشتراكية، ولم يعد هناك أي هويات متصارعة بإمكانها أن تقود العالم أفضل من الهوية الليبرالية ولابد من حمايتها من هويات متفرقة رجعية تعادي الليبرالية وتريد العودة بالعالم للوراء عن طريق تدميرها. تطور هذا الطرح وأصبح له تيارات متشددة وأخرى معتدلة لكنها كلها تؤمن بأن الحرية الفردية هي الأساس لا الدولة، وإن الدولة الوطنية تحد من تطور النظام الليبرالي الذي يجب أن يحكم عن طريق مؤسسات دولية عابرة للحدود «والهويات» لضمان تطبيق مبادئ النظرية الليبرالية في كل بقاع الأرض بما في ذلك من إضعاف دور الدولة الوطنية ومؤسساتها، مثلما نسمع اليوم أصوات تنادي بإلغاء أو تخفيض ميزانيات الشرطة في أمريكا وغيرها وخصخصة قطاعات هي في الأساس في صلب دور الدولة مثل الصحة والتعليم والأمن. 

مقابل هذا التيار الذي لم يواجه أي هوية قوية تصطدم به وتعطل مسيرته بعد هزيمة وانهيار الاتحاد السوفيتي، ما عدا ترويج بعض منظريه بأنهم يواجهون هوية دينية تعاديهم ويقصدون الإسلام كمشروع سياسي، وكلنا نعرف كيف تطور الموضوع إلا الصراع ضد الإرهاب وانتقال المعركة للشرق الأوسط وما خلفته من آثار مازلنا ندفع ثمنها لغاية اليوم، ومع ذلك لم يقف الكثيرون عند أسبابها وانشغلوا في نظريات المؤامرات كشماعة لتفسير كل مشاكلنا أو في صراعات داخلية تزيد من ضعفنا وتشتتنا. 

إنما اليوم برز تيار آخر في الغرب يروج للدولة الوطنية تحت شعارات مثل «أمريكا أولاً» الذي ينادي به دونالد ترامب أو «بريكست» الداعي لخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، وفي القارة الاوروبية بدأت تيارات الدولة الوطنية بالصعود في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وحتى في بعض دول أوروبا الشرقية ولكن أطلق عليها التيار الليبرالي مسمى «الشعبوية» لكي يضعف من مشروعيتها ويبعد القاعدة الانتخابية عن توجهاتها الداعمة للدولة الوطنية على حساب أي مصلحة ايديولوجية أخرى. وهناك طبعًا دول نظامها السياسي قائم أساسًا على بنية الدولة الوطنية مثل روسيا وتركيا والصين مع أن الأخيرة تستغل العولمة التي هي نتاج المشروع الليبرالي للتوسع اقتصاديًا لكنها سياسيًا متمسكة بالدولة الوطنية وما مشروع الأمن القومي الأخير بخصوص هونغ كونغ إلا دليل آخر على ذلك. 

هناك تفاصيل وتشعبات عديدة لهذا الصراع لكن ما يهمني هو أن نحدد موقفنا من كل ذلك أولاً وندرك طبيعة ما يحدث، وأن نضع الاستراتيجيات والخطط التي تعمل على تحقيق مصالحنا وحماية أمننا. إنما مع الأسف أغلب الدول العربية تعمل بنفس الأسلوب التقليدي الذي خدمها -نسبيًا- أيام الحرب الباردة والاستقطابات المغرية التي مكنت حتى الدول الضعيفة التي لا تملك ما تفاوض بشأنه أن يكون لها تأثير وأهمية تمثلت في انضمامها لمعسكر شرقي أو غربي مقابل حماية أمنية أو دعم اقتصادي أو غير ذلك، إنما اليوم لم تعد هذه الأدوات ذات قيمة ولابد من استخدام أدوات أكثر واقعية وتأثير، وأن نسعى لامتلاك أدوات مهمة مطلوبة للمواجهات الحتمية القادمة ولكننا لا نملكها بعد. 

فعدم تأسيس هوية وطنية جامعة وعدم اعتبارها أولوية قصوى أصبح مهددًا أمنيًا خطيرًا يهدد حاضر ومستقبل دولنا، الانقسامات العربية مهدد آخر وحتى داخل الدولة الواحدة أصبحت الانقسامات أشد خطرًا على أمنها من المهددات الأخرى، وهذا الانقسام لم يعد حصرًا على الدول العربية فمثل ما نرى اليوم الانقسامات في الغرب أصبحت ظاهرة أمنية خطيرة أدت لمشاهد عنف وفوضى وتدمير لم نعهدها في الغرب. ندرك أن التنوع في المجتمعات مهم وهو عنصر قوة يجب حمايته لكنه يختلف عن الانقسام في ما هي الهوية الوطنية الجامعة ويعد ذلك مؤشرًا خطيرًا يمنعنا من مواجهة المهددات الداخلية والإقليمية والدولية.

أمام هذا المشهد تصبح ضرورة تأسيس هوية وطنية جامعة أولوية قصوى للأمن الاستراتيجي لكل دولة، وأن يكون دور الدولة محوريًا سواء في تأسيس أو رعاية الهوية الوطنية، ويمتد دورها ليشمل حسن إدارتها لأدوارها الرئيسة في الصحة والتعليم والأمن لضمان حاضر ومستقبل مستدام وأمن للمجتمع ككل مثلما فعلت البحرين في إدارتها لأزمة الكورونا على سبيل المثال للتأكيد على محورية دور الدولة مقابل فشل المؤسسات الدولية في توفير أبسط مقومات وحقوق المجتمعات من رعاية صحية. وبعد ذلك ممكن لكل دولة أن تحدد وفقًا لهويتها ما هي مصالحها ومع من تقف وكيف تصيغ تحالفاتها وما هي الادوات التي تحتاجها لمواجهة المهددات والمشاريع المضادة، وأن نوفر جهودنا التي نقوم بها لإصدار بيان «بالإجماع» يعلم المجتمع الدولي أن بعض من وقعوا عليه يعملون ضده وبعض آخر لن يحرك ساكنًا، وأن الثقل على كتف دول معدودة قررت أن تسمي الأسماء بمسمياتها، وأن تواجه المهددات التي طال أذاها ولابد من حسمها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها