النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

حرمة السر بين محمود درويش وصديقه سليم بركات

رابط مختصر
العدد 11414 الأربعاء 8 يوليو 2020 الموافق 17 ذو القعدة 1441

قبل بضعة أسابيع تناولت وسائط التواصل الإلكترونية والصحافة والمنتديات الأدبية موضوعًا فيه من الحرج الكثير ومن عدم التصديق أكثر ومن الاستنكار الشيء العظيم. الموضوع العظيم، بكل بساطة، هو إفشاء سر، كان محفوظًا، فخرج إلى العلن. الشاعر الفلسطيني محمود درويش ائتمن صديقه الشاعر السوري سليم بركات على سر، وحامل أمانة السر لم يلتزم بسرية السر، فكشف الغطاء عن السر ليصبح خبرًا مشاعًا، فانخلعت الخصوصية عن السر. كان من الأولى أن لا تأتمنه اليد اليسرى لليد اليمنى فكيف بالصديق أو الحبيب، ولكنها لحظة اللاحكمة والثقة. الأسرار خصوصية، لها قدسية طالما هي خاصة محفوظة في خصوصية الذات.

لكل إنسان فرد دائرة مغلقة من الخصوصيات المختومة بخاصية الفرد ذاته، تتفاوت في العدد كثرة أو قلة حسب نشاط الإنسان وعلاقاته، فهي تتناسب طرديًا مع الأنشطة والعلاقات. دائرة الخصوصيات هي الموضع الوحيد الذي يرى فيه الإنسان نفسه على كامل حقيقته، حيث لا مسوغ ولا مبرر للحقيقة وتزييفها، فالإنسان الفرد حمال لكم من حقائقه الخاصة، إن خيرًا أو شرًا، إن أبيض أو أسود. هي دائرة الخصوصية التامة التي تأبى النفس الكشف عنها ويجهد العقل على عدم السماح باختراقها، وهي مغلقة بقفل له مفتاح سري، وهذه الدائرة هي القلعة الحصينة التي يحرم على غير صاحبها، الفرد الواحد، أن يتجول في ردهاتها الواسعة والضيقة، ويتنقل في غرفها المظلمة والمضيئة، ويتجول في حديقتها، إن كانت هناك حديقة! ويطل بين حين وآخر على حجيرة أو عدد محدود جدًا من حجيرات محفورة تحت الأرض تستر محتواها أبوابًا أفقية تتساوى مع سطح الأرض، وهذه الحجيرات تحوي سر الأسرار كلها، ولها مكانة عميقة الخصوصية. حتى الأسرار درجات وأعماق وألوان، ولكنها كلها ملك لذات الذات، وبعض الأسرار قد تكون عبئًا نفسيًا على صاحبها، وهذا الصاحب يعيش معها مثلما يعيش المريض مع مرضه المزمن.

وكل سر له موقع مركزي ومكانة مقدسة في صندوق أسود مغلق مقفل مفتاحه لغز، لا حرفي ولا رقمي، وهو عصي على علم اللغة وعلى علم الأرقام، وهذا الصندوق يتموضع عفويًا في موقع خاص في منطقة الذاكرة في المخ، وهو محاط بحراس أشباح من دائرة الخصوصيات. ميزة هذا الصندوق، وعلى النقيض من الصندوق الأسود في الطائرات، أنه يتلاشى إلى العدم مع ذوبان خلايا المخ بعد موت صاحبه، وليس من طبيعة الروح، بعد موت صاحبها، أن تحمل أسراره، لأن الروح، في عرف المفاهيم، محصنة وشفافة رقيقة ناعمة، لا تخترقها الأسرار، والأسرار بذاتها تهاب حتى الاقتراب منها. فعمر السر من عمر صاحبه، إلَّا إذا، لا قدر الله، خرج من صندوقه دون إرادة من صاحبه، أو بإرادة الثقة المفرطة في صاحب أو صاحبة، فتزول القداسة عن السر، وتتلاشى صفة السرية عن حقيقة كانت محفوظة في صندوق السر، فخروج الحقيقة من صندوق السر شبيه بخروج العفربت أو الجن من القمقم، فما أن يخرج الجن من قمقمه وينفتح على العالم، فإنه من المستحيل إعادته إلى السجن في القمقم، وإذا خرج السر من صندوقه الأسود وانزلق من لسان صاحبه، يصبح معلومة مشاعة، وقد يوسم صاحبه بما كان يتفاداه وبما كان لا يبتغيه، وهكذا الأمر بين الثقة المفرطة وطبيعة الزلة في اللسان، فصدق من قال: «لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن خنته خانك».

عندما يشارك صاحب السر غيره من أهل المحبة والثقة، فإنه بهذا الكشف عن السر يخفف من أعباء ثقل السر على نفسه، فحمال الأسرار كحمال المآسي، فعندما يفضفض الإنسان عما يعانيه من مأساة، فإنه يخفف من عبء المأساة على نفسه.

وحامل أمانة السر، يفعل السر في نفسه كالدبور، يطن ويزن في هذه النفس التي لا ترى بدًا من راحة النفس وإطلاق الدبور خارج النفس، إلَّا ما ندر من الناس، الذين هم الأمناء على السر والأمانة رغم الحمل الثقيل، فليس كل من يؤمن على سر أو على شيء يكون أمينًا وأهلاً بالأمانة.

السر أمانة، فمن أذاع السر فقد خان الأمانة، وليس من تدرج في المقاس بين الأمانة والخيانة، فهما على شاطئ نقيض بالمطلق، فما هما بين يسار ويمين، حتى يتدرجا بين وسط وأقصى وأدنى. والمطلق في عرف الأمانة يذكرنا بقصة امرؤ القيس مع السموأل اليهودي (1)، وهذه القصة توضح السمة المطلقة للأمانة.

الصداقة حبل سرّي يصل الصديق بالصديق وبينهما أسرار لا تنضح خارج الحبل السرّي... وقد تعددت الأوصاف والمفاهيم والتعريفات حول الصديق الصدوق الوفي، فما رأيت صورة لهذه الصداقة المجردة خيرًا من رباط حبل سرّي يخصهما دون غيرهما.

الشاعر السوري سليم بركات أفشى سرًّا لصديقه الشاعر محمود درويش في مقال بصحيفة «القدس العربي» تحت عنوان «محمود درويش وأنا»... وكان هذا السر قد بقى مغلقًا في صندوقه الأسود مدة ثلاثين عامًا... ويبدو أن دبور السر في نفس الشاعر الصديق قد نشط بشكل عنيف أخرج الشاعر بركات من صوابه، وجعله يتعدى على حرمة الصداقة بينه وبين الصديق الذي ائتمنه سره... لم يستطع الشاعر بركات أن يروض دبور السر في نفسه بأن يهدأ من روعه ويشل من نشاطه أو حتى يقتله، ولكن على النقيض، مما تقتصيه ضرورات الصداقة وقيمها، فإنه قد استسلم لوخزات الدبور، ويبدو أنه في لحظة من ذروة الألم النفسي والذهني قد أطلق صرخة التوجع القاتل، فانفلت مع الصرخة ذاك السر الدفين في نفسه.

أيا ترى، بعد هذه الزلة، وهي عظيمة، وبعد ردود الأفعال المستنكرة حتى الاستهجان، وغير المصدقة حتى التكذيب، كيف يبرر الصديق بركات فعلته في حق صديقه محمود درويش لنفسه، وهو يخاطبها، قبل أن يواجه المستنكرين والمكذبين. لقد كان للشاعرين الصديقين مكانة في نفوس المعجبين والقراء وعامة المثقفين، فإلى ما آلت إليه تلك المكانة؟ وكاشف السر، كيف يعيش مع نفسه، وكيف يتعايش مع محيطه الفكري والثقافي، بعد كشف الغطاء طواعية عن السر؟

ويكاد أن يكون كشف السر هذا، سر بحد ذاته، مغروس كالخنجر في نفس صاحبه. لا أحد يدري لمَ كشف الصديق سر صديقه، ولكني أضم صوتي إلى أصوات المستنكرين والمكذبين، ولكن من زاوية الرثاء على الشاعر سليم بركات.

 

(1) السموأل شاعر عربي يهودي، معاصر وصديق للشاعر امرؤ القيس. ائتمنه امرؤ القيس على عدد من الدروع. جاءه ملك الحيرة يطلب منه الدروع ولكنه رفض طلب الملك، هدده الملك بقتل ابنه إذا لم يسلم الأمانة، أصر السموأل على الرفض، وكان قتل ابنه ثمنًا لأمانته. بعد مقتل امرؤ القيس في نهاية حرب البسوس سلم السموأل الأمانة إلى ورثة امرؤ القيس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها