النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11448 الثلاثاء 11 أغسطس 2020 الموافق 21 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

مسلسل ( أم هارون ) .. أبواب الجحيم والحياة

رابط مختصر
العدد 11413 الثلاثاء 7 يوليو 2020 الموافق 16 ذو القعدة 1441

إن الجهود الكبيرة والعظيمة التي اضطلعت بها مؤسستا الفهد الكويتية وجرناس الإماراتية من أجل إنتاج المسلسل الدرامي التلفزيوني (أم هارون) الذي تم عرضه في فضائية الـ (mbc) خلال شهر رمضان 2020، لا يمكن تجاوزها أو صرف النظر والاهتمام عنها، كونها، كما زعم بعض من ابتسر المسلسل كله من عنوانه، إنها ترويج للتطبيع مع إسرائيل أو خيانة في حق التاريخ القومي لدولة فلسطين والأمة العربية، وهو في رأيي ابتسار لم يكلف نفسه حتى مشاهدة أولى الحلقات من هذا المسلسل، أو حتى يقف على الجهد الفني الذي من حقه أن يقترح رؤيته الدرامية والتخييلية على المعطى التاريخي أو الوثائقي للمادة المتناولة أوالمستثمرة في هذا المسلسل، وهو أمر أشبه بتبييت النوايا ضد هذا المسلسل ومنتجيه، حيث العناوين التشويهية التي يسوقها البعض ضد المسلسل تسبق مشاهدته أو قراءة زوايا الرؤية الفنية في تناوله دراميًا، بل وصل الأمر بالبعض إلى أن يشاهد المسلسل معضدًا ومدججًا بمذبته عله يتمكن من اصطياد الأخطاء التاريخية التي يبحث عنها دون أن يجهد رأسه ولو قليلاً للبحث عن أسباب وقوف هذا المسلسل على قضايا المسكوت عنه لفترة ليست بقصيرة في خليجنا العربي، وهذا البحث في رأيي هو فعلاً ما يستحق الوقوف والتأمل والإشادة بمن تصدى له في هذا المسلسل. 

لقد شاهدت وتابعت المسلسل أكثر من مرة وحرصت ألا أتناوله وأنا مزحوم بهمّ الجدل السياسي التاريخي الانفعالي العقيم حول صحة ما ورد من أحداث إبان أربعينيات القرن الماضي في الخليج العربي، وتحديدًا في الكويت والبحرين، أو من عدم صحة ما ورد، إذ إن هذا الجدل حدا ببعضٍ أن يفسر العلاقة التاريخية بين اليهود والمسلمين في الخليج بأنها نوع من التطبيع شاءت له أنظمة الحكم آنذاك، مثلما حدا ببعضٍ آخر أن يفسرها بأنها دعوة فاضحة من المنتجَيْن (حياة الفهد وأحمد الجسمي) والمؤلفَّين الأخَوَين (محمد وعلي شمس) للتطبيع من خلال الدراما التلفزيونية أو الوسائط الإعلامية، والتطبيع في حد ذاته كمصطلح سياسي لم يبزغ نجمه إلا في عام 1979 حين وقّع الرئيس المصري الراحل أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل، أي بعد أحداث مسلسل (أم هارون) بثلاثة عقود ونيف، فكيف إذن نتعطى هذا المصطلح في ظل غيابه خلال تلك الفترة ونفي وجوده من خلال أحداث المسلسل ذاتها؟

وإذا وقفنا على أحداث المسلسل سنجد نقيض هذه التهمة التطبيعية التي روج لها البعض و(استحلاها) في تصريحاته المتشنجة المنفلتة وفي زعوماته التي لا تقف على دلائل وإثباتات يمكن الاتكاء على صحتها، إذ ماذا يعني رمي (رفقة) ابنة الحاخام داوود الزجاج الجارح قرب عتبات مساجد المسلمين في الحي؟ وماذا يعني تلويث اليهود لآبار المسلمين وتسميمها بالكلاب النافقة؟ وماذا يعني تبييت نية القتل المتعمد من قبل الحاخام داوود لحبيب ابنته راحيل محمد ابن إمام مسجد المسلمين في الحي؟ وماذا يعني محاولة شروعه في قتل ابنته راحيل في المعبد بسبب حبها لمحمد؟ وماذا يعني تآمر الحاخام داوود على الملا عبدالسلام بتوريطه في التخابر أو العمالة للإنجليز؟ وماذا يعني فضح نوايا اليهود الدموية بجمعهم الأسلحة وتهريبها للخارج لتقوية عضد إسرائيل واستخدامها لإبادة المسلمين؟ فأين التطبيع في مثل هذه النوايا والأفعال الدموية المقيتة؟ وهل كان في المسلسل أحد من مسلمي الحي أيد مثل هذه الأفعال أو انحاز إليها مثلاً؟ 

 

وبالمقابل، ومثلما أدان المسلسل التطرف والعنصرية لدى اليهود، كذلك أدان المتواطئين من المسلمين لمصالحهم الخاصة ضد مصلحة المجتمع برمته، وكان النموذج البارز فيهم التاجر بوسعيد الذي لا تختلف مآربه ونواياه وأفعاله عن مآرب ونوايا وأفعال الحاخام داوود، إذ ليست لديه مشكلة في أن يقتل ابن أخيه وأمه أم هارون من أجل مصلحته الخاصة، وليست لديه مشكلة في أن يحرق قلب اليتيمة زنوبة بهدمها لـ (حظرة) أسماكها التي تترزق منها في الحي، وليست لديه مشكلة في أن يتزوج حبيبة ابن أخيه مريم، وليست لديه مشكلة في أن يدس السم في دواء عائلته، وليست لديه مشكلة في أن يبعد يديه ويصرف نظره عن كل التهم الموجهة للحاخام داوود، فهل كان المسلسل منحازًا للطائفة اليهودية وهو الذي يعري ويفضح بالمثل مآرب وأفعال المتواطئين لمصالحهم من الطائفة الإسلامية؟

ماذا بقي إذن كي نعلقه على شماعة التطبيع؟ أعتقد أنه لم يبقَ غير الحب، الحب المحموم بالنبل والعفة والمجرد من كل ملوثات الطوائف وآفاتها بين محمد ابن الملا عبدالسلام وراحيل ابنة الحاخام داوود، فهل نصنف هذا النوع من الحب في خانة بنود اتفاقية التطبيع بين المسلمين واليهود؟ وهل العلاقات بين المسلمين واليهود محرمة؟ أم أن التطبيع مصطلح سياسي يتجاوز حدود الأديان ليقف عندها بوصفها معتقدًا سياسيويًا ملزمًا لليهودية بوصفها صهيونية ذات مآرب أبعد من حدود فحوى الكتاب؟ فإذا كان الأمر كذلك في هذه العلاقة العاطفية النقية بين محمد وراحيل، فعلينا أن نعلق المشانق لكل العشاق باختلاف أديانهم وطوائفهم، وعلينا أن نحرم رواية (قصة حب مجوسية) للروائي الراحل عبدالرحمن منيف، وندين كل من تزوج من غير دينه وما أكثرهم. 

إن مثل هذه العلاقات من الطبيعي أن تنشأ في مجتمعات تتعايش فيها كل الطوائف والأديان، وقد شهد الخليج العربي، وخاصة البحرين والكويت، مثل هذا النوع من العلاقات في أحيائهما، وكانت فيهما أحياء يطلق عليها أحياء اليهود، ومن عايشهم يتذكر النماذج الساطعة بينهم، ومن بينهم عائلات لا تزال تعيش في خليجنا العربي، وبعض أبنائها أسلم وتزوج، لذا يأتي هذا المسلسل في وقت تحتاج فيه أجيال من أبناء الخليج أن تعرف شيئا عن تاريخ أوطانها ومجتمعاتها إبان فترة سالفة، ويحسب لمسلسل أم هارون أنه أثار جدلاً سياسيًا لم ينتهِ بعد، وطرق أبواب المسكوت عنه في منطقة الخليج، ولا خلاف في رأيي أن تكون إسرائيل حاضرة بقوة في المشهد قبل تأسيسها كي تعرف الأجيال هذه ما لم تدرك من تاريخه شيئًا، وهذه ليست نهاية التاريخ، فالأمل لم يزل بعد موجودًا في كتابة ما يضيف لهذه المرحلة الأربعينية الفارطة من حقائق ورؤى، أو ليسمح لمجال رؤيوي آخر يعاكس هذه الرؤية ويطرح جديدًا ومختلفًا لم يطرحه هذا المسلسل في رؤيته، المهم هي الأسئلة، هي التي ستفتح عيوننا على أمور كثيرة كانت خافية علينا وغائبة عن رؤوسنا وذاكرتنا، وآن أوان طرحها بجرأة وبشفافية عالية، لذا يحسب للفنانين الكبيرين حياة الفهد وأحمد الجسمي رميهما حجرًا كبيرًا في بحيرة المسكوت عنه في مجتمعاتنا الخليجية وإثارتهما لجدل لن يخفت أواره إلا بما يبزهما من رؤى تتجاوز ما تصديا له في هذا المسلسل. 

 ويحسب في هذا المسلسل للأخوين شمس أنهما في تأليفهما لهذه العلاقات المتعددة المركبة بين أبناء الطائفتين المسلمة واليهودية قد اتكآ على بعض المراجع الرئيسة التي عايشت تلك الفترة التاريخية ومن بينهم عضو مجلس الشورى البحريني نانسي خضوري التي وثقت في كتابها «من بدايتنا إلى يومنا الحاضر» تاريخ العلاقات بين المسلمين واليهود وأثر التعايش والتسامح الديني على سلوكياتهم وحياتهم العامة، الأمر الذي سمح للمؤلفين بأن يجوسا من خلال هذه المراجع أعماق المسكوت عنه ويتصورا كيفية نسجه وفق رؤيتيهما الدرامية. 

وتتعمق هذه الرؤية برؤية مخرج المسلسل الفنان محمد جمال العدل المبدعة في قراءتها للعلاقات الإسلامية اليهودية المتعددة المركبة في أحياء الكويت التي لا تبتعد كثيرًا في تشابهها عن ما يحدث في الحي اليهودي بالبحرين والتي عايشناها في طفولتنا وصبانا، والتي برزت من خلال تعدد دلالات الأبواب التي تباغتك منذ الحلقة الأولى حتى نهاية المسلسل، فللأبواب في مسلسل أم هارون تاريخ ينضح بالحياة وبالأسرار، فهي مفتوحة على بعضها ومغلقة في الآن نفسه عبر الأسرار التي تتخفى بين ثنايا جدرانها، كما أنها حملت علامات يدرك أيقوناتها من عاش تلك الفترة، وخاصة المسلمين واليهود، فهي مخبأ الأسرار، القهر، الحب، العلاقات المحرمة، الجرائم والحرائق والفقر والمباغتات والدسائس والمؤامرات والود والحميمية والفضح، إنها بيوت وأبواب مفتوحة على بعضها البعض وكما لو أن كل البيوت في الحي مكشوفة ومغلقة في آن.

فكم هي الأسرار التي تعتمل في قلب ربيبة الحي الإنسانة قبل اليهودية والمسلمة أم هارون؟ وكم كانت فنانتنا الكبيرة القديرة حياة الفهد متمكنة في أداء تفاصيل هذه الشخصية التي تعتبر رمز السلام والتسامح والتواصل في الحي كله، حيث لم تنجر أو تنحاز لعرقها اليهودي بقدر ما كان اهتمامها، جل اهتمامها، خلق الحب والتواصل بين أبناء الحي وفضح وإدانة من يتآمر على أهله، بما فيهم الحاخام داوود والمتسلط بوسعيد، وهي عاقدة قلوب الحب بين أبناء الحي، وهي التي كل البيوت بيتها في السراء والضراء، فكان دورها من أبدع الأدوار التي شاهدتها فيها.

ومن أعقد الأدوار التي شدتني وجذبتني نحوها بقوة دور الفنان الكبير أحمد الجسمي (بوسعيد)، هذا الإنسان أو ابن الشر والمكر والخديعة، الذي يعتبر ذخيرة الأسرار المرة التي تفجرت في المسلسل كله، العارف بكل الأمور، والمسيطر على كل الأشياء، والمخضب بالدم والجريمة والسطوة، فمنذ أعلن كل الأسرار وباتت الأمور واضحة لم يعد في قلبه ما يمكنه أن يهدئ من روعه، أو يحمي ضحيته وإن كانت من أقرب دمه ولحمه وروحه، هو محور المسلسل كله بما يستبطنه من أسرار باتت أشواك شر في طريق من يعترض دربه حتى صار ضحيتها في نهاية الأمر. 

أما الحاخام داوود والذي قام بدوره الفنان المبدع المتألق عبدالمحسن النمر، فكان أنموذج التطرف والتعصب الديني والعرقي للديانة اليهودية في هذا المسلسل، وكان ممسكًا حقًا بتلابيب دوره وقائد لعبة الصراع الديني في الحي، هذه الشخصية الشحيحة (الشايلوكية) القلقة من كل ما يحيطها بما فيهم زوجته الضحية مسعودة التي أدتها باقتدار الفنانة آلاء شاكر، أو ابنته العاشقة راحيل التي أدتها بتمكن وتميز الفنانة روان مهدي الصائغ، هذه الفنانة التي رسمت شخصيتها بالحزن والقلق الصامت القاتل فتفوقت في تجسيدهما لهما، هذه الشخصية الحاخامية تضع من يريد أن يقدم مثل هذه الأدوار في امتحان حقيقي لكيفية قراءة تفاصيل الدور. 

وتعتبر الفنانة الكبيرة والقديرة سعاد علي البوابة السرية الأخرى في حياة زوجها بوسعيد، والتي تقرأها في أدائها من عينها ومن إيماءاتها الدقيقة المحسوبة والمعبرة، وهي الجسر الآخر في بناء روح الحي بجانب أم هارون، وهي الضحية والجلاد رغما عنها في آن، فهي كعادتها، حضورها بحجم الألق. 

وبالمقابل نقف على دور الفنانة فخرية خميس في أدائها لشخصية آمنه زوجة الملا عبدالسلام، هذه المرأة التي لا حول لها ولا قوة، والمرأة المحبة بسذاجة، وهي فعلاً فاكهة المسلسل بخفة ظلها ووقوعها في مقالب دون قصد، هكذا هي الفنانة فخرية خميس، ملفتة للنظر في كل دور تؤديه. 

ويهمني أن أقف على دور الفنان القدير فؤاد علي في دوره جبر أو هارون، حيث تمكن من الاكتناز بالحقد على كل ما يحيط به في هذا الحي، وظل مضطرب العلاقة مع عمه وزوجته مريم التي أدت دورها فاطمة الصفي باقتدار وبإقناع، مثلما هو مكتنز بالحب لأمه أم هارون. 

كما استوقفني الفنان القدير محمد جابر الذي قام بأداء دور الملا عبدالسلام، وهو واحد من أهم الأدوار التي رأيته فيها، فهو الملا صاحب الروح القومية والمتعصب لدينه والرافض لزواج ابنه محمد (محمد العلوي) من راحيل ابنة الحاخام داوود والذي يتجنب الاحتكاك باليهود في الحي.

وما أروع دور الأستاذ العاشق محمد العلوي، الذي تنطق كل تفاصيل وجهه بأحاسيس ملؤها الحب والعذاب والحيرة والتمرد والخوف! 

كل الأدوار حقيقة بلا استثناء استوقفتني في هذا المسلسل، وكانت موفقة في أدائها، نواف النجم في دور عزرا، الفنانة السعودية المتألقة إلهام علي في دور علياء، والفنانة فرح الصراف في دور رفقه، والفنانة آلاء الهندي في دور المجذوبه زنوبه والتي أعتبرها محور الحركة الحية في الحي كله وأحزانه ومآسيه، والفنانة أشجان في دور عزيزة، والفنان عبدالحميد البلوشي في دور يعقوب، والفنان ماجد الجسمي في دور إسحاق، والفنان محمد غباشي في دور صموئيل، والفنانة هيا عبدالسلام في ظهورها المميز. 

هذا هو مسلسل أم هارون كما قرأته من زاويتي الفنية، ونحن في انتظار مشاهدة الرحلة الأخرى بعد هجرة الحاخام داوود وأسرته إلى إسرائيل، فبالتأكيد من تمكن من إنتاج هكذا عمل إبداعي مميز لا يزال يثير الكثير من الجدل، وهي خصلة تحسب له لا ضده طبعًا، قادر على أن يأخذنا معه من خلال هذه الأبواب إلى ساحات ومناخات ورؤى أخرى مثيرة للجدل الساخن الخلاق، فتحية من القلب لمن أنتج هذا المسلسل الأكثر إثارة للجدل من بين مسلسلات قناة الـ (mbc) لعام 2020، وللمخـــرج المبدع محمد جمال العدل الذي كثف عدسة رؤيته وأطلقهــا مــن خـلال أماكن محدودة في حي يجمع كل أبناء الديانات الثلاث.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها