النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11442 الأربعاء 5 أغسطس 2020 الموافق 15 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:38AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

لكي يسعد الوطن

رابط مختصر
العدد 11411 الأحد 5 يوليو 2020 الموافق 14 ذو القعدة 1441

لكي يبقى الوطن الذي ولدنا على ثراه، والذي تعلمنا في مدارسه وجامعاته، والذي عملنا في وزاراته وشركاته، وأسسنا أسرًا وعائلات في أحضانه، وربينا أولادنا وبناتنا في ربوعه.. هذا الوطن يستأهل منا أن نعمل وأن نكدح وأن نعرق ونتعب من أجل رفعة ورقي شأنه.

هذا الوطن الذي احتضننا أطفالاً، وشبَّ عودنا في مراتعه وبين جدرانه، هذا الوطن يجب أن نبذل من أجله النفس والنفيس دون كلل أو ملل، ودون منّة منّا عليه.

هذا الوطن الذي ضم قبور أجدادنا وجداتنا وآبائنا وأمهاتنا، والذي سيضم قبورنا نحن بعد حين، علينا أن ننحني تعظيمًا وإجلالاً له، فهو الملاذ الآمن لنا ولأجيالنا السابقة واللاحقة.. فكم من ملايين البشر تشردوا في الآفاق وتقطعت بهم السبل دون أن يكون لهم وطن! وكم من ملايين آخرين شردوا من أوطانهم ظلمًا وقسرًا، وتاهوا في شعاب الدنيا دون أن يكحلوا عيونهم برؤية وطن أو العيش فيه.

وما أشقى الإنسان إذا أصبح غريبًا في وطنه، بعيدًا عن أهله. 

وما أعظم الشاعر اليمني عبدالله البردوني الذي له قصيدة طويلة في حب اليمن أقتبس بيتًا منها يقول فيه:

يمانيون في المنفى ومنفيون في اليمن

جنوبيون في صنعاء شماليون في عدن

 ووظيفتنا نحن المثقفين أن نأصل حب الوطن في النفوس ليكون مقياس الوطن الشعب كله، لا طائفة منه فقط.

إن الوطنيّ الحقيقي هو من يرى بلدته في كل قسم من أرض الوطن وكل سكان الوطن لديه أهل وجيران وخلاّن. الحرية لا وطن لها، الحرية سماء، والسماء وطن الجميع. الإسلام لا يرتبط بأرض ولا وطن.. الإسلام عظيم وفسيح. وكل عش هو وطن لا يحتاج أن يقرر أحد كيف يكون شكله، حرة هي العصافير. سجن الوطن ولا حرية المنفى. قصة عشق أبدية بين الإنسان والتراب. ذلك هو الوطن ولا شيء غيره. 

ولعل سائل يسأل: ما هو موقف الإسلام من حب الأوطان؟ وهل ورد شيء من ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة؟

وللإجابة عن هذا التساؤل نقول وبالله التوفيق أن أول هذه الآيات ما ذكره الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم: «وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدًا آمنًا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر»، فخليل الرحمن عليه السلام دعا هذه الدعوات المباركات، باستتابة الأمن والنهل من الخيرات، وفي هذه الآية نص في استحباب الدعاء للأوطان، وحث أصحاب الديانات بالاقتداء بأبي الأنبياء.

والمتأمل لهذه الدعوة يلحظ أن الرزق قرين الأمن، بل لا يتحقق الرزق إلا بعد استتباب الأمن، وقد امتن الله تعالى على أهل مكة هاتين النعمتين فقال سبحانه: «أولم يروا أنا جعلنا حرمًا آمنًا ويتخطف الناس من حولهم»، وقال جل وعلا: «أولم نمكن لهم حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون».

ومن هذه الآيات ذات الدلالة قوله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين»، ففي الآية أن الشريعة اعتنت بحفظ مفهوم الانتماء والمواطنة، وذلك من جهتين:

الجهة الأولى، عندما نسبت الديار إلى أهلها، «ولم يخرجوكم من دياركم»، فإضافة «دياركم» تشير للانتماء الجماعي لهذا الوطن من جميع ساكنيه، وأنه ليس محصورًا بفئة دون فئة أو طائفة دون أخرى. والجهة الأخرى أن الشريعة أمرت برعاية الأمن والسلام، مع كل من لم يتعدَّ حرمة الأوطان، بل أمرت بالبر إليهم والإحسان. أما من يتعدى على العباد، ويسعى للنيل من مكتسبات البلاد، فقد حثت الشريعة على نبذه، بل قتاله، عناية منها بحفظ مفهوم الوطنية والانتماء للوطن، كما في قوله تعالى: «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله».

وعندما خرج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مهاجرًا من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة التفت إلى مكة قائلاً:

«ما أطيبك من بلد وأحبك إليَّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك».. وهذا دليل واضح على حبه عليه الصلاة والسلام للمدينة التي ولد وعاش بها سنين طويلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها