النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11489 الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 4 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الوباء بين فعل الطبيعة و قرار الإنسان

رابط مختصر
العدد 11407 الأربعاء 1 يوليو 2020 الموافق 10 ذو القعدة 1441

في مقال سابق تحت عنوان «فيروس كورونا وفيروس الإنسان» تعرضنا لموضوع نشاط الإنسان الوبائي ضد الطبيعة، وفي هذا المقال نكمل المشوار ونعرض لنشاط الإنسان الوبائي ضد نفسه. أن يأتي الوباء بفعل الطبيعة، فهذا أمر طبيعي أما أن يأتي الوباء بقرار إنساني، فهذا أمر تستهجنه الطبيعة. موجات الوباء الجرثومي (بكتيريا، فايروسات وفطريات)، بين حين وحين، تعصف بالإنسان والحيوان وحتى النبات منذ بدء الحياة، هي جزء وظيفي من مجموعة أنشطة تدير شؤونها قوانبن الطبيعة، وما تقتضيه هذه القوانين من ضرورة الحفاظ على ميزان التعدد البيولوجي على الكرة الأرضية، إذًا فبهذا المقتضى والضرورة فإن موجات الوباء ستواصل رياحها تهب على الأرض، مستهدفة الإنسان أو الحيوان، متى ما رأت ضرورة لذلك، وقد يكون الإنسان نفسه هو المحفز لهبوب رياح الوباء، مثل المحفزات البيئية التي تنتفض من فعل نشاط الإنسان، أو الحروب التي تخلف مزابل من أكوام متعفنة من أجساد البشر والحيوان، وتصبح هذه المزابل مصدرًا لنوع من الجراثيم ومنها ينتشر الوباء. لكن هل للوباء مصدر واحد محصور في مملكة الجراثيم؟ أم أن هناك مصدرا آخر في مملكة الإنسان؟...

لغويًا، تعريف «وباء»، هو «كل مرض شديد العدوى، سريع الانتشار من مكان إلى مكان، يصيب الإنسان والحيوان والنبات، وعادة ما يكون قاتلًا، مثل الطاعون ووباء الكوليرا، واليوم وباء كورونا...»، وهذا التعريف العام يحصر الوباء في مصدره الجرثومي. ولكن إذا نظرنا إلى الآثار التي تتركها هذه المصادر الجرثومية، من موت جماعي وشل الحياة وانتشار المجاعة، فإن هذه الآثار ليست محصورة على الوباء الجرثومي، بل، حقيقة وليس مجازًا، أن صراع الإنسان ضد الإنسان وما ينتج عنه من حروب وغزوات، هو مصدر وبائي آخر خارج دائرة الجراثيم. الحروب والغزوات لها آثار مماثلة لآثار الوباء الفيروسي، مضافًا إليها آثار دمار ما بناه الإنسان من بنية أساسية ومن قرى ومدن. الحروب والغزوات تمحي مدنًا بأكملها من سطح الأرض، وتتسبب في قتل عشرات الألوف من الناس، وانتشار الأمراض والمجاعة، في ضربة واحدة، بل أن الماكينة الحربية للإنسان قادرة على محو الإنسان من على سطح الكرة الأرضية ومحو كل ما بناه في ثوانٍ، وليس هذا بمقدور الغزوات الجرثومية. إذن، فإن الكامن في نزعة «صراع الإنسان ضد الإنسان» هو مصدر وبائي أشد تاثيرًا ودمارًا من جميع الأوبئة الجرثومية. إن نزعة الإنسان، بهذا الصراع الأزلي صانع الحروب والغزوات، قد أجازت للإنسان إن يستخدم كل المكونات الطبيعية في الصراع، الذي مازال من البديهيات، وقد اتخذ الإنسان من مملكة الجراثيم مصدرًا لترسانته الحربية، وابتكر منها أسلحة جرثومية، وهي ليست حديثة العهد، فقد استخدمتها معظم الامبراطوريات السابقة، والآن هي في طور التطوير والتعديل والتحسين في مختبرات الدول الكبرى والصغرى، والبعض يسميه سلاح الفقراء. فإذا كان الوباء الجرثومي الصرف ينطلق بأوامر من الطبيعة، فإن الإنسان يزرع الوباء الجرثومي في صراعه مع نفسه، وبأوامر من الإنسان نفسه، مدفوعًا بنزعته الذاتية في الصراع مع الذات. 

عندما يزرع الإنسان الوباء لإبادة الإنسان، يكون الوباء مهندسًا وموجهًا وموفرًا للجهد والمال مقارنة بأسلحة الجو والبحر والأرض. أبشع جريمة زرع للوباء الجرثومي ضد البشرية، في التاريخ كله، كان في القارة الجديدة (أمريكا). الأوروبيون في القارة التي وضعوا اليد عليها وفتكوا بأهاليها (سموها أمريكا)... وهي قارة شرقية - غربية، في أقصى الشرق وأقصى الغرب من العالم القديم (آسيا وأفريقيا وأوروبا)، وكان أبناء هذاالعالم الجديد مكتفين بعالمهم، لا يعلمون شيئًا عن بقية أراضي وشعوب الكرة الأرضية. كان بين حضارة العالم القديم وحضارة العالم الجديد فارقًا نوعيًا ببعديه الأفقي والعمودي، فجعل هذا الفارق الكبير من أبناء العالم الجديد لقمة سائغة لنهم وجشع ولهو أبناء العالم القديم، فأبناء أوروبا، من العالم القديم، كانوا يتلهون ويستمتعون بلعبة إبادة لشعب لم يكن يدري من أي كوكب، أو من أية سماء نزلت عليه لعنة الوباء، وما ذنبه حتى يكون هدفًا للإبادة على يد مخلوقات تشبهه في كامل جسده وتختلف عنه في ملبسه وأدواته ونواياه الشيطانية. هذا الإنسان المتحضر، بالعلم والمعرفة والفن والفلسفة والموسيقى، لم يكتفِ بالسلاح التقليدي لإفناء شعب بكامله، بل إستعان بالسلاح الجرثومي، فزرع في مناطق تواجد تجمعاتهم القبلية والعشائرية أنواعًا من الجراثيم الوبائية ومنها الكوليرا، فساهم السلاح الجرثومي على محو أكثر من 90%؜ من السكان الأصليين. هذا القدر من الإبادة البشرية، وبيد بشرية، لم تحصل في التاريخ أبدًا إلا في هذا العالم الجديد، ولم يحصل لأي وباء، من فعل الطبيعة، أن حصد هذه النسبة الشيطانية من الإبادة البشرية، فقدرة الإنسان على الإبادة البشرية أعظم بكثير من أي وباء من فعل الطبيعة. وإنسان اليوم لا يختلف عن إنسان الأمس، بل إنه أكثر خبرة وأوسع علمًا وأقبح طموحًا، وطموحه يتعاظم ويشتد أنانية مع مرور الزمن. إنسان اليوم يرى في عناصر الوباء، من جراثيم وبكتيريا وفايروسات، ضالته التي ترضي طموحه، فقد توسعت معرفته وتعمق علمه في هذه العناصر الوبائية وشيد المختبرات البيوكيميائية لإنتاج أجناس معدلة من الجراثيم كسلاح يضاف إلى ترسانته الحربية الجبارة. مع وباء كورونا، الذي مازال كاتمًا على أنفاسنا، تناقلت بعض وسائل الإعلام التقليدي والإعلام الجماهيري الواسع في شبكات التواصل الاجتماعي معلومات وتحليلات وتكهنات بأن وباء اليوم ليس سوى عمل من شيطان الإنسان، إما بتخطيط مسبق أو نتيجة خطئ في إحدى المختبرات المختصة في علم الجراثيم، والذي كان سببًا في خروج الفيروس المعدل من أنابيب الاختبار إلى ردهات المختبر ومنها إلى مستقر في جسم العلماء والفنيين العاملين في المختبز، وهكذا انتشر الوباء. ولا عجب أن نسمع ونقرأ كل يوم إتهامات متبادلة بين زعماء دول و سياسيين وإعلاميين عن الطرف المتسبب في نشر الفيروس، وكأن هناك حربًا جرثومية قائمة بالفعل بين الدول التي تملك الأسلحة الجرثومبة و تعمل على تطويرها. هذا النتاج الإعلامي يسبح في السماء كالغيوم، ولا ندري إن كانت هذه الغيوم محملة بالمياه حقًا، أم أنها غبوم سابحة توهم بالمطر... 

السلاح الجرثومي له جاذبية مميزة، وهو أن هذا السلاح يقتل بالجملة genocide ولكن لا يدمر ولا يحرق، فيترك للغازي المنتصر أرض العدو كاملة البنيان والمحتوى، وكل ما يتبقى للمنتصر بعد إفناء العدو هو كنس الضحايا من إنسان وحيوان وحرقهم أو دفنهم بالجملة، والاستيلاء على كامل الغنيمة المادية التي لم تمسها شعرة من الحرب الجرثومية... 

فهل من الممكن أن يكون وباء كورونا من فعل الإنسان، كاختبار، استعدادًا لحرب جرثومية قادمة؟ وهل عدم مبالاة الدول الكبرى بضرورة التعاون الدولي أمام وباء كورونا هو بمثابة مؤشر أو ما يقارب الدليل على أن الذي يجري، هو نشر اختباري للوباء، وليس انتشار طبيعي!!! 

نرجو أن يكون وباء كورونا بفعل الطبيعة، وليس بفعل الإنسان، لأن الطبيعة أرحم على الإنسان من الإنسان على الإنسان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها