النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11418 الأحد 12 يوليو 2020 الموافق 21 ذو القعدة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

اسألوا الطير إن كنتم لا تعلمون

رابط مختصر
العدد 11406 الثلاثاء 30 يونيو 2020 الموافق 9 ذو القعدة 1441

عندما تختفي الطيور من الحديقة تشحب الأوراق..

تذبل الزهور..

تسود الأغصان..

تتصحّر التربة..

يئنّ صوت الهواء..

يضجر قناص الطيور..

وربما يبكي بحرقة لأنه لم يجد ما يشغل وقته ويسلي بندقيته..

]  ]  ] 

لم يعد طائر البوم يتجول في الليل..

لم يعد طائر البوم سعيدًا بخلوته كعادته في كل ليل..

لم يعد طائر البوم مستقرًا كما كان في بيته المهجور أو الخرب..

لم يعد طائر البوم قادرًا كما كان على تمييز الليل عن النهار.. 

طائر البوم منشغل هذه الأيام بعينيه اللتين سرقت أضواء الجحيم الأعمى آخر ما تبقى فيهما من ليل.. 

]  ]  ]  

قال ذكر الطير عندما رأى الحزن يغزو وجه أنثاه بعد أن فقدت بيضها الذي أودعته في عشها لينعم بدفء الفقس..

 يا ألله لماذا خلقتنا للريح وتركت نطفتنا دون جناح؟! 

]  ]  ] 

الطير حينما تشدو طويلاً، فإنها تبكي أو تجزع أو تتوقع حدثًا مروعًا سوف يطالها..

 كل الطيور إذا شدت طويلاً نظن أنها مبتهجة ومبهجة في آن..

 لم نكن ندرك بأن شدوها الطويل هو وصيتها الأخيرة قبل الرحيل الأخير..

]  ]  ]  

في مداعبتهم لرمل الشاطئ فاجأهم باللغز الشعبي المعروف: 

«طير طار.. في الأبحار.. ما له ريش.. ولا منقار»..

أجابوا كلهم وبصوت واحد على هذا اللغز بقولهم: 

زبد البحر..

 إلا طيور البحر وحدها قالت: 

إنه أجنحة الموج..

]  ]  ]  

عندما فقدت الأرض زهوها وألوانها، قال الضبع ما لها؟ 

تناهى الصوت إلى طائر الحسون الذي انحشرت نواعمه بين أغصان شجرة هالكة، ففزع واحتضر، وكان آخر طير غادرت روحه الأرض تاركة خلفها ريشة استنزف الفقد آخر ما تبقى فيها من حبر الشهادة ! 

]  ]  ]  

عندما فقد أحدهم الطائر الذي يتعرش في كل صحبة كتفيه، اعتلَّ وانهار ودبَّ العجز في كامل جسده..

 أقبل عليه صوت خفي مصدره، قال له: 

انهض يا هذا، فما فَقَدت ليس بالذي يستبطن كتفيك، يدرك ثوابك وعقابك دون أن يرهقك بجسده ودون أن تراه فتعرف حقيقته وتخشى حقيقتك.. 

ما فقدته كائنًا فحسب لا ملاكًا.. 

خفَّت روحه وقال: ما فقدته ليس كتفي، فقدت روحي الهائمة في فضائه الرحب.. أعد إليّ طيري أهبك جناحي.. 

]  ]  ]  

ذات حلم حلقت قرب نافذتي وبمنقارها خوصة بحجم ريشة من جناحيها الصغيرين الأليفين ومضت..

 ثم عادت ثانية ومضت..

 كررت التحليق والعودة والدوران مرات ومرات ولم تسأم..

وعندما سألتها: ما الخطب؟ 

أسقطت الخوصة من منقارها وقالت: دلّني على الأشجار التي أودعتها عشي.. مأوى صغاري.. لماذا اقتلعت؟ 

ثم التقطت بمنقارها الخوصة ومضت وفي اصطفاق جناحيها همس أنين.. 

]  ]  ] 

عندما تأمّل الطير وهي تحلق بحرية في سماء الله، سأل نفسه: 

هل تحلم الطير التي تحلق في هذه السماء مثلنا؟ 

هل تتمنى؟ 

هل تطمح؟

هل تأْمل؟ 

هل تتخيل؟ 

أطلق العنان لشهيقه.. مرة.. مرتين.. مرات.. حتى كلّت رئتاه..

وظل يحلم بالطير التي حلقت في سماء الله ويسأل: 

هل خلقها الله من نطفة هواء الحلم وتركنا ضحايا أوهامنا؟ 

]  ]  ] 

لم ينزعج عاشق الطير حين شاءت الظروف بقطع قدميه بعد أن فسد الدم كله في أوصالهما.. 

فقد شعر اللحظة أن كل ما يجذبه نحو الأرض قد تخلص منه وانتهى، وصارت يداه أقرب من هواء الله الذي امتلأت رئتاه به وهو يداعب الطير في كل عشق..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها