النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11518 الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الموافق 3 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

المسيرة الطويلة بين الإنسان والبيت 1 /‏ 5

رابط مختصر
العدد 11405 الإثنين 29 يونيو 2020 الموافق 8 ذو القعدة 1441

لا بد وأن نتحدث في مقالة منفصلة عن العلاقة المتبادلة بين الداخل والخارج، بين البيت والشارع كعلاقة جدلية وطبيعة، كل فضاء عن الآخر، فالشارع فضاء مفتوح ورحب ومتنوع وله قوانينه وفلسفته فيما للبيت فضاء آخر وله خصوصيته وطبيعته الأساسية بما يمنحه من حصانة ودفاع وتمترس للإنسان والعائلة، أما في مقالتنا فسوف نركز على البيت بعد أن تعرف الناس على دواخل بيوتهم ودواخلهم الذاتية خلال فترة شعار «خليك بالبيت» حيث القناص العالمي «كورونا!» يجوب الطرقات والأزقة الضيقة والشوارع الواسعة يصطاد ضحاياه دون رحمة. فما هو البيت بالضبط؟ وكيف تطور ضمن تطور الإنتاج والمجتمع البشري؟

لم يستعمل الإنسان البيت كمكانٍ لمعيشته إلا في مرحلة تاريخية معينة من تطوره، بعد أن عاش ردحًا من الزمن يتخذ من الغابات والكهوف مكانه المفضل. وإن أسطورة «كهف باكاريتامبو» عند الإينكيين (نسبة إلى حضارة الإنكا في أمريكا الجنوبية) في بيرو ليست إلا واحدة من القصص الكثيرة التي تشير بداية انطلاق الإنسان وتعامله مع الطبيعة وتدجين الحيوانات واكتشاف المعادن والأدوات وصنعها وتطويرها كوسائل وأدوات إنتاجية. 

ولقد ارتبط الاقتصاد الإنساني لاحقًا وكذلك العشيرة والعائلة بالبيت الذي صنعه الإنسان منفصلاً بذلك عن الطبيعة كخطوة كبيرة للأمام، فكيف كانت مسيرة هذا الإنسان الطويلة مع البيت كوجود حياتي منذ الأزمنة الغابرة حتى عصرنا؟ وبذلك ينتقل الإنسان مع الطبيعة للمجتمع عبر هذا المكان ومن عالم الخارج /‏ الطبيعي إلى الداخل /‏ الاجتماعي من صنع الإنسان، مشيرًا إلى تلك الحقيقة الفيلسوف الفرنسي الراحل غاستون باشلار بقوله: «فالبيت هو كوننا في العالم. إنه كما قيل مرارًا كوننا الأول، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى»، فيوحي لنا رحم الأم بهذا الكون، وداخلنا، وبيت الألفة والطمأنينة، ذلك الوجود العظيم الذي نحتمي به ونتمدد فيه، نخلقه وندمره، نصنعه ويصنعنا، ومنه نبني عناصر عديدة لثقافتنا وعاداتنا، أخلاقنا وقيمنا وقوتنا، لذا يتطلب منا التوقف ولو مختصرًا لمسيرة هذا الوجود «البيت» كقوة وظاهرة ومعنى، نوجزها بتكثيف، لكي ننتقل بعدها للبيت عبر الأدب خصوصًا الرواية والإنسان /‏ المؤلف من خلال العناوين ومضامينها. 

وكيفية تصوره وعلاقة الإنسان بهذه الظاهرة؟ وكيف أثرت في حياته وخلقت في داخله متغيرات كبيرة وجذرية في بعض الأحيان؟ يتفق جميع الأنثروبولوجيين بأن الطور الأدنى من المرحلة البربرية هو بمثابة الطور الذي «كانت الثروة الدائمة لا تتألف تقريبًا إلا من المساكن والألبسة والحلى الخشنة والأدوات للحصول على الطعام وتحضيره، أي الزوارق والأسلحة والآنية المنزلية البدائية»، فمن خلال أقدم الوثائق في الدولة الجرمانية والتي ساعدت على تفسير «المشاعة البيتية» في زمن تاقيطس وعهده عن تأكيدهم للشعوب الجرمانية الذين كانوا يعيشون في بيوت من جذوع الشجر، ويرتدون ألبسة بدائية لا تزال تشبه ألبسة سكان الغابات، أي المعاطف الخشنة الصوفية، وجلود الوحوش. 

وقد حدثتنا أسطورة نينية للناس الذين عاشوا في التوندره شمال الاتحاد السوفيتي - سابقا - للبشر القاطنين على شاطئ البحر في مساكن محفورة في الأرض، هذه الحكاية الخرافية أكدتها الحفريات الأثرية في ساحل شبه جزيرة يامال، بوجود مساكن محفورة في الأرض تعود إلى أواخر الألف الأول ومستهل الألف الثاني بعد الميلاد. 

وقد برهنت المعلومات التاريخية على وجود حلقات دائرية ثلاث تترابط وتتحرك معًا بشكل متفاعل حسب أدوات الإنتاج والملكية، فدائرة الاقتصاد والعائلة والبيت يشترط وجودهما معًا في الأزمنة الغابرة رغم اختلاف وظيفة ودور كل واحد منهما اجتماعيًا، كما أن الجغرافيا والطقس يفرضان على حياة الناس نمطًا معينًا من البيوت والمادة الموضوعة لصنعه. وحالما تطور المجتمع من مرحلة إلى مرحلة أخرى، نتج معها تطور في أشكال البيوت والمادة المصنوعة منها حسبما أشارا برومليه، وبودولني، مؤلفا كتاب «الأثنوس والتاريخ».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها