النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11448 الثلاثاء 11 أغسطس 2020 الموافق 21 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

المشروعان التركي والإيراني.. وجهان لعملة واحدة

رابط مختصر
العدد 11403 السبت 27 يونيو 2020 الموافق 6 ذو القعدة 1441

ماذا يريد الأغراب من أرضنا العربية؟ ألم يكتفوا نهبًا وتدخلاً وإثارةً للفتن؟ ألم يشبعوا من دمائنا بعد؟. طيب إذا كنا لا نستطيع مقاومتهم ألا يجدر بهم أن يشفقوا علينا ويتركوننا وشأننا نعيش ونربي أطفالنا؟ أم أنهم يعتقدون أننا اعتدنا الخضوع والذل؟ ليحق فينا قول المتنبي: مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ.. ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ.

تركيا إردوغان، وإيران خامنئي، وروسيا بوتين، دولُ يشعر زعماؤها أنهم يعيشون في حدود جغرافية أضيق من أحلامهم، حدود انكفؤوا داخلها بعد أن تلاشت إمبراطورياتهم واضمحلت، وهم الآن ينشطون من أجل إحياء أمجاد أجدادهم، وينظرون إلى أرضنا على أنها إرثٌ لهم، وهذا الأمر ليس سرًا، وقد قال أردوغان صراحة إن مدن مصراتة وإدلب وغيرها هي مدن عثمانية -واعتقد في مرحلة لاحقة إذا استمر مشروعه سيدعي ملكيته بالوراثة أيضا لمكة المكرمة والمدينة المنورة-، كما أن إيران لا تخفي أطماعها، ولا زالت تسعى لإعادة أمجاد كسرى وتاجه الشهير، وبوتين ابتلع الشيشان وجورجيا والقرم، وها هو قد وصل بجيشه إلى المياه الدافئة في طرطوس السورية، وتمهد مرتزقة فاغنر الروسية الطريق أمامه لقاعدة عسكرية في ليبيا.

كل ذلك يتم على حسابنا نحن العرب، ليس على حساب إذربيجان أو باكستان أو أفغانستان مثلاً، وهي دول حدودية أو قريبة من تركيا وإيران وروسيا، ولست هنا في وراد إجراء تحليل دقيق يوضح أسباب ذلك، لكن ما أراه أن معظم تاريخنا إما حروب وفتن داخلية وتنازع قبلي على المياه والمراعي، أو حروب على السلطة حتى أنه قيل «ما استُلَّ سيفٌ في الإسلام كما استل على قاعدة الإمامة في كل زمان ومكان»، بمعنى أن الناس الذي ماتوا في الصراع على السلطة أكثر بكثير من الناس الذين ماتوا في الفتوحات الإسلامية أو الدفاع عن الثغور والحدود، وكل ذلك أضعفنا وجلب لنا مطامع وويلات الأمم الأخرى.

ومع كل كارثة وهزيمة ونائبة تصيبنا كعرب أسمع عبارات من قبيل «هذا المنحدر الخطير والأزمة غير المسبوقة التي تمر بها المنطقة»، سمعنا هذه الجملة في النكبة والنكسة، والحرب الأهلية اللبنانية، وعند احتلال العراق للكويت، والغزو الأمريكي للعراق، وصولا للخريف العربي في تونس ومصر، ثم الحروب في سوريا وليبيا واليمن، وذروة نشاط الميليشيات الإيرانية في أربعة عواصم عربية هي بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء، وأخيرًا التمدد التركي في شمال سوريا وفي ليبيا وقطر والصومال وغيرها.

ولست أدري صراحة هل بالفعل هل الأوضاع التي وصلنا إليها حاليًا من حروب وفتن وفقر وبؤس وذل وتفرق هي بالفعل أسفل نقطة في الحضيض أم لا زلنا نسقط في هاوية سحيقة لم نصل بعد لقعرها.

لقد مهَّدت هجمات سبتمبر2001 في الولايات المتحدة الطريق أمام حروب جديدة قادتها واشنطن في أفغانستان، وهو ما أثار المزيد من ردود الفعل الغاضبة ضدها، حتى «انقسم العالم إلى فُسطاطين» كما قال قائد تنظيم القاعدة الإرهابي أسامة بن لادن، ثم اعتدَّت أمريكيا بنفسها أكثر وفي ذروة نزوة قادة البيت الأبيض وغضبهم قرروا تحطيم العراق بذريعة وجود أسلحة كيماوية، وبقية القصة معروفة.

عشر سنوات أخرى ودخلنا في الخريف العربي بتشجيع من إدارة أوباما التي راهنت على ما سمَّته قوى «الإسلام المعتدل» كوسيلة للانتقال بدولنا إلى الديمقراطية المنشودة، وهذا ما أعطى تنظيم الإخوان المسلمين «قبلة الحياة»، فركب عناصره موجة الثورات وتمكنوا بالفعل من الوصول إلى السلطة دول مثل مصر وليبيا بعد أن كانوا تحكموا في قطاع غزة قبل فترة، وقد فشلوا فشلاً ذريعا، ولا يجب أن نستثني هنا فشل النظام الإيراني في توفير أدنى متطلبات الحياة لشعبه، إضافة إلى تدمير الميلشيات الشيعية لنموذج الحياة الصحية والصحيحة في دول مثل العراق ولبنان، فهل كنا بحاجة لكل هذه الدماء والتضحيات لنتأكد مرة أخرى أن الأنظمة الدينية لا تصلح لإدارة شؤون الدولة والناس؟.

هل كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعرف مآلات السيناريو الذي نفذته في بلادنا خلال عهد إدارة أوباما؟ أم أننا حقل تجارب في نظرهم؟ هل بالفعل تريد الولايات المتحدة الاستقرار في العالم، أم أنها لا زالت تعمل وفقا لنظرية وزير خارجيتها الأسبق هنري كيسنجر عندما قال صراحة «ليس من مصلحتنا إنهاء أي نزاع في هذا العالم، إنما الإمساك بزمام اللعبة وتسخيرها لصالحنا»، هل بالفعل لا تستطيع واشنطن إنهاء صراعات في مناطق مثل ليبيا؟ ألا تدرك أن عدم استقرار ليبيا يؤثر سلبًا على دول جنوب أوروبا؟ أم أنها تريد بالفعل رؤية أوروبا ضعيفة غارقة في مشاكلها؟.

لقد كان عنوان أول درس سياسي تعلمته في الجامعة هو «كل سلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة»، وكلما زادت قوة الدولة ازدادت غطرستها وبعدها عن المبادئ الإنسانية الأساسية وحق الجميع بالعيش الكريم على ظهر هذا الكوكب، لكن التاريخ يعلمنا أن قوة الأمم إلى زوال، وأن ما يسميه ابن خلدون «أطوار الدولة» منذ صعودها وحتى أفولها سيبقى صحيحًا على الدوام، وكما يقول الشاعر أيضا «هي الأمور كما شاهدتها دولُ.. من سره زمن ساءته أزمان»، والولايات المتحدة اليوم تتحكم من خلال قواها الناعمة والخشنة بالعالم، لكن قبلها كان الإغريق والرومان والصينيين والعرب المسلمين وغيرهم.

يقال أن هتلر عندما همَّ باجتياح أوروبا وأراد قتال الإنكليزي في مصر والفرنسيين في بلاد الشام قيل له إنه ربما يواجه مقاومة شعبية من قبائل متفرقة في صحراء شمال إفريقيا فأجاب «إذاً ضيفوا على الفرق العسكرية المتجهة إلى هناك جندي ألماني واحد»!. إذا كانت دول مثل تركيا وإيران وروسيا تشعر بأنها تعيش ضمن حدود سياسية وجغرافية أضيق أحلامها التوسعية، ألا يجدر بنا نحن العرب أن يكون لدينا مشروع لا نريد من خلاله استعادة أمجاد الأمويين والعباسيين في الأندلس مثلاً، وإنما أن نحمي ونحصن حدودنا ولا نسمح لأحد بالاعتداء علينا؟.

 

*رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسِفن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها