النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:52PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

التمييز العنصري إلى متى؟

رابط مختصر
العدد 11400 الأربعاء 24 يونيو 2020 الموافق 3 ذو القعدة 1441

  • فهل الإنسان محكوم عليه أن يكون هو الجاني وهو الضحية في دورته الطبيعية؟

 

خلال أسبوع واحد خرجت من أمريكا رسالتان متشابهتان متناقضتان، رسالة إعلان ورسالة استغاثة، رسالة من شابة ورسالة من شاب، رسالة من إنسانة بشرتها بيضاء ورسالة من إنسان بشرته سوداء.

رسالة مقتضبة مكتوبة، هي إعلان موت في لحظة احتضار حتمي، آخرها وهي خلاصتها قبل الخلاص الأبدي، «إني لا أستطيع أن أتنفس... إني أختنق». هذه الكلمات كتبتها فتاة شابة وأرسلتها عبر الواتساب إلى أخيها، وهي على سرير في المستشفى تعاني من طعنات فيروس كورونا في رئتيها، وليس بفعل ركبة شرطي على رقبتها، تلك كانت آخر الرسالة، وقد سبقتها بكلمات تعتذر بها لأخيها بعدم قدرتها على الكلام. كانت هذه الفتاة ضحية فيروس بريء يقوم بوظيفة طبيعية لا إرادية، دون نية مسبقة ولا وعي بما تقوم به أجهزته ولا بنتائج وظبفته، والفبروس لا يفرق بين أسود وأبيض وأصفر، وليس هو من جنس البشر حتى يكون عنصريًا أو طائفيًا، فما ينتج عن وجوده في جسم الإنسان ليس نتيجة حقد ولا سياسة ولا دين ولا مذهب ولا مصلحة مادية... وحال هذه الشابة من حال البقية الذين عانوا نفس مصيرها.

ورسالة مخنوقة منطوقة، هي استغاثة لتفادي الموت لحظة الفزع من الاحتضار، كل كلماتها جملة مفيدة تتكرر، يخبو صداها مرة بعد أخرى، وهي «إني لا أستطيع أن أتنفس»، إنها حشرجة استغاثة أكثر من كونها كلمات، تتدحرج من فم الضحية ولسانه عاجز عن الحركة، بينما صداها في الرئتين تفجر القلب وفي أعماق الذات تهين النفس، والضحية على يقين، إن لم تنقذه رحمة تنزل عليه من أحد الذين يتفرجون على مسرحية الجريمة، فهو في حكم الميت، لحظات والضحية يعيش صراعًا عبثيًا ضد مقتدر حاقد غدار، ينفذ جريمته بدم بارد متسلحًا بحصانة «خدمة الشعب» وهو في وقت دوامه الرسمي يؤدي وظيفته الرسمية. هكذا كان حال جورج فلويد وهو يلفظ أنفاسًا تتهاوى زفراته إلى أن تنغلق نوافذ القلب وترتبك خلايا المخ وتضيق فيه قنوات (شرايين) التغدية والأكسجين، فيشعر المخ بالجوع والاختناق معًا، فيتعفن، وهي لحظة الموت الأكيد. هكذا مات المواطن الأمريكي الأسود، جورج فلويد، وهو يئن يائسًا تحت ركبة ضابط شرطة، و هو مواطن أمريكي أبيض (الشرطة في خدمة الشعب)، وأثناء هذا النحر بالركبة على رقبة مواطن له حقوق دستورية وقانونية، كان ثلاثة من زملاء الشرطي يحرسون جربمته أمام أنظار المارة الذين كانوا يتوسلون الشرطي أن يرفع ركبته عن رقبة صيدته (ضحيته)، ولكن لا حياة لمن تنادي، فالبغض العتصري الأسود كان قد اغتال الضمير في نفوس هؤلاء الذين يتبجحون بلون بشرتهم، ويعتبرون اللون الأبيض خيرًا والأسود شرًا، وأنه لا من ضير ولا من مس بالأخلاق عند الإجهاز على روح إنسان أسود، هذه هي الروح االتي تتملك الشرطي، وهو نتاج لثقافة عنصرية متجذرة، ليس من السهل استئصالها بالدستور والقانون.

هناك أوجه تشاله وأوجه اختلاف بين رسالة الإعلان عن الموت، ورسالة الإستغاثة ضد الموت... في كلا الحالتين النتيجة المباشرة واحدة وهي نهاية حياة إنسان، وهو الشبه الوحيد بين الحالتين. نهاية حياة إنسان تختلف بين الموت والقتل، وتختلف بين القتل دفاعًا عن التفس أو القتل غير المتعمد والقتل بنية مسبقة لها دوافع عنصرية، والدوافع العنصرية، ليست مبنية على أية قاعدة خلافية أو انتقامية أو مصلحية أو انتهازية، فليس بين الجاني والضحية أية علاقة خاصة حتى تتفاعل عناصر النفس والذهن في كيميائية السيكولوجيا لتفرز دافعًا عدوانيًا، سوى الأرض البريئة المشتركة والدستور المسكين المشترك اسمًا والنظام القانوني الضعيف المشترك مع ميل في كفتي الميزان. الدستور في ديباجته وبنوده ومواده عظيم، وهو من بين أفضل الدساتير في العالم، وكذلك المجلدات الضخمة من أدب القانون وفلسفة القانون ومعادلات العدل في القانون. ولكن ليس في أفق الحضارة بطبيعتها السائدة أن ينسجم المجتمع في كليته مع الدستور والقانون. إن التناقض يلعب دورًا جوهريًا في المجتمع البشري منذ مرحلة الهمجية مرورًا بالمرحلة البربرية وصولاً إلى حضارتنا الملبدة بغيوم تجمعت من تلاطم أنفاس البشر.

من أبدى أولويات الدستور والقانون هو ضمان الأمن الاجتماعي، ولكن هذا الأمن الاجتماعي لم يكتمل منذ ولادة أول دستور وأول قانون إلى اليوم، إن الإنسان مع الإنسان في مختلف جوانب علاقاته مثل مياه البحر، بين مد وحزر، وأمواج تتلاطم، وتيارات متضاربة على سطح المحيط وقاع المحيط وتلك التي تتصادم بين سقف المحيط وقاعه... فهل الإنسان محكوم عليه أن يكون هو الجاني وهو الضحية في دورته الطبيعية؟ ولا أجرأ أن أقابل هذا السؤال بالسؤال النقيض بديباجته «أم أن هناك...» إلى آخر السؤال، لأن الواضح البين مع مجرى التقدم الحضاري، هو شبه قانون يفيد بأن وحدة التناقض في ثنائية الجاني - الضحية مع التقدم الحضاري في علاقة طردية، والمأمول شبه المستحيل أن تكون العلاقة عكسية حتى تسير الحضارة على طريق اكتمال الأمن الاجتماعي في كامل بهائه الأخلاقي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها