النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

ذكرى مرور مئة عام على تأسيس أول مكتبة تجارية في البحرين

رابط مختصر
العدد 11400 الأربعاء 24 يونيو 2020 الموافق 3 ذو القعدة 1441

  • المؤسف حقًّا أن مصير هذه المكتبة التي استمرت زهاء 48 سنة التوقف والإغلاق بعد وفاة صاحبها

 

يصادف هذا العام 2020م مرور مئة سنة على قيام محمد علي التاجر بتأسيس أول مكتبة تجارية في البلاد عام 1920م، وأطلق عليها (مكتبة التاجر) نسبة إلى صاحبها. وتقع المكتبة شرق سوق الطواويش بمدينة المنامة، حيث تنتشر في هذه السوق المعروفة بأزقّتها الضيقة بعض محلات الذهب، والخياطة، ومحلات غسل وكيّ الملابس التي كان يقوم بها بعض الهنود. كما أنها منطقة تجمع الطواشين، الأمر الذي يعني أهمية هذه المنطقة من العاصمة حينذاك.

يعتبر التاجر شخصية فريدة من نوعها في ذلك الوقت. فكان أدبيًا وشاعرًا ومؤرخًا وخطيبًا مفوهًا. تنقّل في صباه مع والده الذي كان من كبار تجار اللؤلؤ بين البحرين والهند. وعندما ضرب الكساد أسواق الخليج فضل البقاء في البحرين والتعامل في العقارات بما في ذلك الأراضي الزراعية، إلى أن انتهى به المطاف إلى فتح مكتبة لبيع الكتب في عام 1920م.

لم يكن اختياره موقع مكتبته اعتباطًا، بل كان أمرًا مدروسًا ومخطّطًا له. فقد كان نشاط التبشير في أوجه حينذاك. وكان الأهالي وبصفة خاصة رجال الدين منهم يقاومون حركة التبشير التي امتدت من المستشفى إلى المدرسة، إلى المكتبة الإرسالية التي أسّسها صموئيل زويمر في الثالث من فبراير سنة 1894م، وفتح لها فرعًا في سوق الطواويش قبل أن يفتح التاجر مكتبته ببضع سنوات، حيث كان يعرض فيها نسخ من الإنجيل للتوزيع وقليل من الكتب العربية للبيع، وكان يُشرف عليها أحد أبناء لبنان المسيحيين يدعى دانيال وجميع تلك الأسباب دفعت الشيخ محمد علي التاجر إلى قيامه بافتتاح مكتبة تجارية هدفها نشر الثقافة ومقاومة التبشير.

افتتح مكتبته في دكانٍ صغير بُنيت جدرانه من الطين والحصى البحري، وصنعت حولها خزائن خشبية ضمّت فرائد التراث العربي والإسلامي، وبعض المخطوطات والكتب النادرة، وكان التركيز على كتب الفقه واللغة والأدب والتاريخ.

يُعد افتتاح مكتبة لبيع الكتب من الأمور الجديدة على المواطن البحريني آنذاك، بل هو حدث مهم يستحق الزيارة.. وهذا ما حدث في بداية عام 1920م، فبمجرد سماع الأهالي خبر افتتاح المكتبة توافد عليها العشرات ممن نالوا نصيبًا من التعليم لشراء ما يحتاجونه من كتب، وأصبحت المكتبة بمثابة منتدى للأدباء والعلماء يتجمعون فيها، ويتحاورون فيما بينهم في أمور الأدب واللغة والدين.

أدرك التاجر وضع أفراد المجتمع المادي آنذاك، فحرص على إعطاء الفرص للمترددين عليها باستمرار بأن سمح لهم بتصفح الكتب والقراءة والاطلاع داخل المكتبة. كما كانت فرصة لصاحبها في ممارسة التأليف والقراءة أيضًا.

كان أديب البحرين الكبير الأستاذ إبراهيم العريض من رواد مكتبة التاجر بصورة مستمرة. وفي مقابلة أجريتها معه في مساء الأربعاء 15 ديسمبر 1999م، حدّثني عن المكتبة بقوله: (بدأت أولاً بدكّان صغير يطل بابه على الجهة الجنوبية من زقاق سوق الطواويش واستمرت في هذا الدكان منذ افتتاحها عام 1920م إلى عام 1930م، حيث نقلت إلى دكّان آخر في نفس السوق ويطل بابها على الجهة الشمالية، وبقيت في هذا الدكان حتى وفاة صاحبها. ويذكر أن مقتنياتها في المعظم كتب دينية وتاريخية وأدبية. كما يذكر أن كتب جرجي زيدان مثل تاريخ آداب اللغة العربية، وتاريخ التمدّن الإسلامي، وروايات تاريخ الإسلام كانت متوافرة. كما حوت بعض القصص البوليسية المترجمة لكتّاب غربيين مثل سلسلة جونسون وجونسون، وسلسلة ملتون توب).

غير أن أهم وصف لمكتبة التاجر جاء على لسان عبدالكريم العريض الفنان التشكيلي المعروف، والذي كان يواظب على زيارة المكتبة. فقد ذكر في مقابلة أجريتها معه حين كنت أعدّ مادة كتابي (المكتبات في البحرين) أن اللون الغالب على جميع الأشياء في المكتبة هو اللون البني، وقد يرى زائر المكتبة ألوان أغلفة الكتب كاللون الأحمر القاني والأخضر وطاولة محمد علي صنعت في الهند من القرن التاسع عشر الميلادي، تناثرت عليها الرسائل والكتب، وهو يجلس خلفها وعلى يساره خزانة المال (الصندوق الحديدي) وقد دق مسمارًا كبيرًا في الجدار وضع فيه سلكًا من الحديد يشك فيه الأرصدة والقوائم الواردة إليه.

لعبتْ مكتبة التاجر في إثراء ثقافة صاحبها، فرسمَ لنفسه منهجية جديدة في التأليف مغايرة لأدباء عصره. فقد اتجه للكتابة التاريخية، فألّف كتابه الأول بعنوان (عقد اللآل في تاريخ أوال)، وهو الكتاب الذي طبع في عام 1994م. بجهود الكاتب إبراهيم بشمي. فقد تناول تاريخ البحرين عبر عصورها المختلفة.

أما الكتاب الثاني فهو (منتظم الدرين في أعيان الأحساء والقطيف والبحرين) الذي طبع مؤخرًا. وقد تحدث نجله علي التاجر عن كتاب والده الذي بقيت النسخة الأصلية لديه، فذكر أن كتاب «منتظم الدرين» يغطي بأجزائه الخمسة أعيان وأدباء البحرين والقطيف والأحساء، وهو اتجاه جديد في حركة التأليف المحلية في ذلك العصر. وعبر الدكتور محمد جابر الأنصاري في كتابه (لمحات من الماضي) عن قدرات التاجر وإلمامه بأمور التاريخ والأدب قائلاً: «كان له اطلاع على المصادر المتعلقة بأدب البحرين وتاريخها في القرون الأخيرة».

ومن المؤسف حقًّا أن مصير هذه المكتبة التي استمرت زهاء 48 سنة التوقف والإغلاق بعد وفاة صاحبها في عصر يوم الخميس 19 من شهر رمضان 1387هـ الموافق 1967م، وبهذا أسدل الستار على أول مكتبة تجارية تؤسس في البحرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها