النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11448 الثلاثاء 11 أغسطس 2020 الموافق 21 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

مجلـــــس التعـــــاون الى اين؟

رابط مختصر
العدد 11399 الثلاثاء 23 يونيو 2020 الموافق 2 ذو القعدة 1441

  • بسبب العواصف العاتية، ظهرَت نزعات قومية وعرقية حادّة ظلَّت كامنة لسنواتٍ طويلة

 

هذا هو الحال مع إيران والمستمر منذ عشرات السنين .. تدخّل في الشأن الداخلي الخليجي دون تعب ولا كلل ولا ملل، بل تنوَّع في طرقه وأساليبه على مرّ السنوات الماضية، وتلوَّن مع الأحداث التي شهدتها المنطقة في العقد الأخير، بين عمليات إرهابية من الداخل، وتحريض الشعوب ضد حكوماتها، وعمليات عسكرية تنطلق من أراضي عربية مُنتهكة وتسير في فلَك السياسة الإيرانية ضد أراضٍ عربية أخرى، والعمل على تفكيك المجتمعات الخليجية من الداخل بإشعال نار الفتنة الطائفية لخَلق حالة من عدم الاستقرار، وغيرها من الأساليب التي عانت منها دول الخليج والدول العربية ما عانت.

وتقف مبادئ الأمم المتحدة -التي تمنع كل صور التدخّل في الشؤون الداخلية للدول- أمام كل أشكال التدخلات الإيرانية في شؤون الخليج الداخلية موقف الجمود الذي تشهد له الكثير والكثير من الأحداث.

ولا شكّ بأن ذلك سيتكرَّر قريبًا، حيث سلَّم الأمين العام للأمم المتحدة تقريره بشأن مسؤولية إيران عن الهجمات التي تعرَّضت لها المنشآت النفطية السعودية على مدى عام (2019م) إلى مجلس الأمن الدولي، وسيتمّ عَرض مشروع قرار أمريكي يتضمِّن عقوبات جديدة على إيران على مجلس الأمن، ومن المتوقع أن يصطدم مشروع القرار بمعارضة شديدة من قبل الدول الكبرى صاحبة المصالح مع إيران، وستكون المعركة الدبلوماسية شرسة جدًا بعد أن تحوَّلت مبادئ الأمم المتحدة لتحقيق الأمن والسلام الدوليين مجرد حبرٍ على ورق، وبعد أن أصبحت المصالح السياسية للدول الكبرى هي المحرك الفعلي لعمل هذه المنظمة الدولية.

إن سبب نجاح إيران في اختراق الشأن الداخلي الخليجي والعربي يعود بشكل رئيسي إلى السياسة العربية المهادنة منذ بداية الثورة الإيرانية (فبراير 1979م)، حيث لا وجود لاستراتيجية عربية حقيقة لمواجهة الخطر الإيراني، وكُل البيانات الصادرة عن جامعة الدول العربية أو عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية حول التهديدات الإيرانية لا تعدو كونها حروف على ورق ومكانها الأخير الخزائن وكأنها لم تكن.

فرحلات دبلوماسية مُكلفة وطائرات خاصة ومصاريف باهظة لمسؤولين وموظفين تنتهي جميعها إلى إصدار بيانات مشتركة، يَختَلف الوزراء في صياغة عباراتها لساعات طويلة فيتركونها في النهاية لمساعديهم أو لموظفي السفارات لاستكمالها والإعلان عنها في مؤتمرات صحفية وفضائيات تعلم علم اليقين بأنها تبثّ كلامًا أجوفًا ليست له تبعات ولا آثار واقعية ملموسة، وهذه هي الحقيقة التي عشتها عمليًا طوال أربعين عامًا في أروقة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وحركة عدم الانحياز ومجلس التعاون.

إن المؤسسات السياسية العربية -وحتى العالمية- تحتاج إلى مراجعة دقيقة وتحديث فوري لآليات عملها وأنظمتها الأساسية بعد أن تخلَّفت عن ركب التطور والمتغيرات التي طرأت على العالم بشكل سريع وخطير، فالعالم بعد الحرب العالمية الثانية ليس كالعالم اليوم، وهذا يطلَّب تغيير شامل في النظام الدولي الذي تشدّد مبادئه على (عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول)، وهذا المبدأ تحديدًا هو الذي يتمّ انتهاكه يوميًا أمام صمت منظمة الأمم المتحدة، وذلك من خلال استخدام القوة تحت شرعية قرارات الأمم المتحدة التي تتخذها بعض الدول العظمى أو الإقليمية كمظلة لإحداث التغيير، كتلك التي أتاحت لدولة قطر استغلال ثروتها المالية الضخمة للتعاون مع الدول الكبرى لإسقاط الأنظمة الحاكمة في مصر وليبيا وسوريا والبحرين والسعودية والإمارات.

لذلك، فإن عالم اليوم يمرّ بحقبة انتقالية مهمة وتاريخية، بين ماضٍ تنهار أساساته، ومستقبل غامض غير معروفة ملامحه، خصوصًا مع العواصف العاتية التي أمحت دولًا من الخريطة والأنظمة العربية التي انهارت والدول التي تفكّكت إلى دويلات صغيرة والخطط الساعية إلى مزيدٍ من التفكك.

وبسبب تلك العواصف العاتية، ظهرَت نزعات قومية وعرقية حادّة ظلَّت كامنة لسنواتٍ طويلة نتيجة لتوازنات القوى العظمى، مما دفع إلى تشابك خيوط الماضي والحاضر وتدافع الأحداث بخطى متسارعة لصنع واقع وتوازنات جديدة صعبة ودقيقة وغير مقبولة أكَّدتها الثوابت والمتغيرات، من أجل تشكيل نظام دولي جديد.

إلا أن هناك فجوة كبيرة بين الواقع وتصورات المستقبل، يكتنفها الغموض والقلق في هذه المرحلة التي تمثِّل منعطفًا تاريخيًا، وتنظر إليها دول الخليج العربي بعين التوجس والقلق من الحلفاء التاريخين الذين يقودون حركة التغيير الشاملة بناءً على نظريات ترتكز على مبادئ حقوق الإنسان كمدخل للوصول إلى الهدف، وهو الانقلاب على الواقع الحالي تدريجيًا، بعد أن تحقَّقت عام (2011م) جزئية التغيير المزمع اعتمادها لتكون نواة التغيير الشامل والمرتقب.

ومن سوء حظ دول مجلس التعاون أنها تمرّ بمرحلة صعبة في علاقاتها منذ عام (2013م) عندما تكشَّف لها تآمر (دولة قطر) لإسقاط بعض أنظمتها، وعَمِلت على حلّ هذه الخلافات داخل البيت الخليجي عبر إصدار عدد من القرارات الملزمة الموقَّع عليها من قِبَل قادة المجلس، إلا أن الأمور بدأت تأخذ مسارات ومنعطفات خطيرة جدًا بيَّنت حجم المؤامرة، فلم يعد ممكنًا التراجع عن تلك القرارات نظرًا للالتزامات التي كبَّلت دولة قطر ولم تترك لها مساحة من الحركة السياسية للتراجع إلى البيت الخليجي مرة أخرى، لتظل شروط العودة معلَّقة حتى اليوم، ويستمر القلق الخليجي من المستقبل المجهول مع انهيار كافة الاتفاقيات الخليجية واستراتيجيات الردع التي اعتمدت عليها دول مجلس التعاون منذ نشأته في (مايو 1981م).

وأمام هذا الوضع الخطير الذي تمرّ به دول مجلس التعاون، ومع استلام الأمين العام الجديد لمهام منصبه، فإن على دول المجلس السعي إلى تعميق رؤيتها للعالم ولمحيطها الإقليمي، وحل أزمتها القائمة، وتحديد دور كل منها في تشكيل ملامح العمل الخليجي المشترك الجديد، وإرساء قواعده الصحيحة من خلال المشاركة الجماعية بمن هو مستعد للمشاركة وفقًا لشروط وأسس الرؤية الجديدة، فبدون هذا التحرّك سيظل مجلس التعاون مفتقرًا إلى التوازن والاستقرار، وسيبقى عرضة للهزات والنكسات والتهديدات المباشرة لكيانات دوله التي قد تقوض دعائم المستقبل.

فلا بد أن يكون الدور المستقبلي لمجلس التعاون على مستوى التحديات؛ حتى يتمكَّن من التأثير على مجرى السياسة الدولية والإقليمية والتعامل مع التحولات والمتغيرات المتوقعة لحماية سيادته واستقلاله، وذلك من خلال إيجاد آلية متطورة لتمكين مجلس التعاون من الاضطلاع بمهامه عبر:

1. الحَدّ من الخلافات، وحل المنازعات الحدودية، واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

2. التعاون والتنسيق العسكري في إطار الاتفاقيات العسكرية والأمنية المتفق عليها، وإلغاء كل ما يتعارض معها من إجراءات تم اتخاذها في السنوات الثلاث الماضية.

3. التصدي الحازم للاستغلال السيئ لوسائل التواصل الاجتماعي بوضع القوانين والتشريعات التي تجرِّم ذلك.

4. وضع الخطط التنموية والاقتصادية والتجارية والصحية والرياضية وغيرها للوصول إلى المواطنة الخليجية الكاملة.

إن بقاء واستمرار مجلس التعاون كمنظومة إقليمية مستقلة لها مكانتها الدولية والإقليمية ودورها الفاعل في التأثير على القرار الدولي ومستقبل المنطقة بما يتفق ومصالحها، مرهون بالتعاون الصحيح المبني على أسس جديدة، فلم يعد النظام الأساسي لمجلس التعاون الموقَّع في (مايو 1981م) يحقق التطلعات والآمال في ظل التطورات المتسارعة للأحداث في العالم والجوار الإقليمي، فلا بد من رؤية جديدة للواقع الجديد لتحقيق أمن مجلس التعاون واستقلاله على نحو يحقق المصالح المشتركة ويقف أمام الأطماع الإقليمية وابتزاز الحلفاء التاريخين وأهدافهم الرامية للتغيير. 

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها