النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11448 الثلاثاء 11 أغسطس 2020 الموافق 21 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

الأمواج العاتية تصنع بحَّارةً أشدَّاء

رابط مختصر
العدد 11396 السبت 20 يونيو 2020 الموافق 28 شوال 1441

كل شيء يبدأ صغيرًا ثم يكبر إلا التحديات والمصائب، تبدأ كبيرة ثم تصغر، إما من تلقاء ذاتها، وإما باستخدامنا لمخزوننا من الحكمة والصبر والتعود، إضافة إلى قدرتنا على اتخاذ القرارات الصائبة على الصعيد الشخصي والمهني.

أنا إنسان متفائل بطبيعتي، لكن يجب أن أقول بواقعية إن أزمة جائحة كورونا الحالية ليست اعتيادية ولا تشبه الأزمات التي اعتدنا عليها. إنها ليست كالأزمة المالية العالمية في العام 2008، أو أزمة تهاوي أسعار النفط بعد حرب 1973، وليست أزمة سياسية كالنكبة والنكسة وحربي الخليج الأولى والثانية، وإنما هي أزمة عالمية طالت كل شيء تقريبا على ظهر هذا الكوكب، الصحة والعمل والتعليم والسفر وحتى علاقتنا الاجتماعية ببعضها البعض، حتى قيل إن العالم بعد هذا الجائحة لن يكون إطلاقا كما كان قبلها.

هذا يتطلب منها حتمًا مواجهة هذه الأزمة وتداعياتها بطرق غير تقليدية أيضا. أن نبدأ بذاتنا، بأنفسنا من الداخل، ونتحلى بمزيد من الصبر والعزيمة، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا.

لا زلت أحاول إيجاد فسحة نور بين الضباب، خاصة وأن جائحة كورونا جاءت امتدادًا لأوضاع اقتصادية صعبة أساسا ناجمة عن تهاوي أسعار النفط وعدم استقرار الأوضاع الجيوسياسية وتراجع النمو الاقتصادي على المستوى العالمي. وقد أصبحت أنظر إلى كل أعمالي بواقعية أكثر، وأركز على نقاط القوة التي تبدو الآن ضعيفة ولكنني أراها الأمل الوحيد، وإن رأيت عملا ما في موقع ضعف أنظر إليه بعمق أكثر مُحاولا دعم أساساته وقواعده، وإن رأيت عملاً مصابًا بمرض عضال لا يمكن إنقاذه أنزلته من قائمة أولوياتي، كما هيَّأت فريقي نفسيًا وعقليًا وماديًا كي نواجه المشاكل والتحديات ونجتازها.

إن إعادة هيكلة الأعمال ضرورية جدًا في هذه المرحلة، وقد نجحت في ذلك في عدد من أعمالي وشركاتي، وأعطيت منشطات ومقويات لشركات أخرى حتى تتمكن من البقاء في السوق، وهذا أمر جيد ليس بالنسبة لي فقط، وإنما للموظفين في تلك الشركات، وللموردين والمستهلكين، وللاقتصاد والمجتمع ككل، لذلك أؤكد أن إنقاذ الأعمال أمر مهم للجميع.

هذا وقت تظهر فيه معادن الموظفين، ويتميز فيه القوي من الضعيف. إنه الوقت المناسب لإيجاد الأشخاص الذين يمكن الاعتماد عليهم أكثر في تسيير الأعمال، الذين يمكن المراهنة على قدرتهم على الخلق والابتكار، ومنحهم المزيد من الصلاحيات والإمكانيات اللازمة لتنفيذ استراتيجية مرنة تستجيب بسرعة لتقلبات الأسواق.

لكنه في الوقت ذاته وقتٌ أيضًا لتغليب المشاعر الإنسانية تجاه أولئك الموظفين الذين يتصفون بالإخلاص لكن إمكانياتهم الفكرية والمهنية محدودة، والحفاظ عليهم وضمان دخل مادي لهم وإن بالحد الأدنى، حتى يتمكنوا من سد رمقهم ورمق أسرهم ومن يعيلونهم.

الكل يقول إن الوضع الاقتصادي في البحرين ودول الخليج العربي صعب، وأنا اتفق مع هذه الرأي، خاصة وأنني من الجيل الذي شهد صعود الخليج اقتصاديا إلى الذروة، لكني أؤكد في الوقت ذاته ان الاقتصاد يمر في فترات ازدهار وانحسار، وما آمله بالفعل هو أن نكون قد وصلنا لقعر المنخفض وأن نبدأ بالصعود سريعا من جديد.

ومن المؤسف بالفعل أن يلجأ البعض إلى استغلال الأوضاع الراهنة من أجل تحقيق مكاسب شخصية على حساب الاقتصاد والمجتمع، وبدأنا نسمع مؤخرًا بتزايد عمليات النصب والاحتيال من قبل رجال أعمال سرقوا أموال الشركاء أو المودعين أو الدائنين، وهنا أنا أنصح الجميع ألا يتخلوا عن المبادئ الصالحة والأخلاق الحميدة، وألا يسمحوا للشيطان أن يدخل رؤوسهم ويوسوس لهم للسير في طريق الضلال، لأن هذا الطريق مظلم وليس له مخرج.

أعلم، ويعلم كل رجل أعمال عصامي ناجح، وكل طبيب ماهر ورياضي بارع ورجل دولة بارز ومفكر معروف، -وجميع الأشخاص المتميزين-، أن القمة التي يتربع عليها الآن لم يهبط عليها بالمنطاد، وإنما صعد إليها حجرًا حجر وخطوة خطوة، وفي كثير من الأحيان تدحرج هنا أو هناك، لكنه عاد أكثر إصرارًا على المضي قُدما في تسلق الصعاب وتخطيها.

أذكر أنه في بداية حياتي المهنية تعرضت شركتي «بروموشن7» للإفلاس نتيجة لأسباب خارجة عن إرادتي لا مجال لذكرها هنا، وطالبني شركائي الستة الباقيين بحل الشركة، لكني أصريت على الإبقاء عليها، وغيَّرت اسمها إلى «بروموسِفِن» وعملت لعامين متواصلين حتى تمكنت من تسديد ديون الشركة التي توسعت لاحقا لتصبح أكبر شركات الإعلان في الشرق الأوسط، فيما لا أذكر أن واحدا من شركائي المترددين في «بروموشن7» تمكن من تحقيق نجاح بارز في حياته.

هذه واحدة من سلسلة أزمات متواصلة وصعبة أواجهها طيلة حياتي العملية، وبعضها كاد يعصف بكل ثمار عملي وبي شخصيًا، لكنني تمكنت من التغلب عليها بما وهبني الله تعالى من حكمة وقدرة على اتخاذ القرارات السليمة. فما حصيلة حياة الإنسان سوى انتصارات في معارك خاضعها، وكم قيل لي إنني انتهيت، وفي كل مرة كنت أثبت للجميع أنني لم انتهِ.

والآن، ورغم أن الواقع يقول شيئًا صعبًا وقاسيًا، إلا أن أملي وحبي للحياة يأمرني بشيء آخر، فالأمواج العاتية في البحر الهائج تصنع البحارة المهرة، والسفن لم تخلق لتبقى على اليابسة، والشجعان وحدهم يتعرضون لهزائم هنا أو هناك لأن الجبناء لا يخوضون المعارك أساسا، وأدرك أننا في بداية صراع طويل لتجاوز ليس أزمة كورونا الحالية فقط وإنما تداعياتها السلبية التي ربما تستمر لسنوات أيضا. سيكون صراعًا قويًا ومريرًا، لكن الثبات والاستمرارية وخدمة النفس بعد خدمة المجتمع والناس دائما كانت منطلق راحة نفسية لي وضوء الأمل.

إنه كما قال الرئيس الأمريكي السابق روزفيلت فرانكلين «الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه هو الخوف نفسه»، وكما علمنا الشيخ زايد رحمه الله حول مفهومه عن الصبر، الصبر على العيال والأسرة والتعامل مع الناس وإدارة شؤون الحكم، وكما نهج قيادتنا الرشيدة في مملكة البحرين بمواجهة الأزمة، حيث نستمد من هدوئهم وحكمتهم وابتسامتهم أملنا وثقتنا في المستقبل.

 

*رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسِفِن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها