النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11518 الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الموافق 3 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

العرب وثقافة العنصرية

رابط مختصر
العدد 11395 الجمعة 19 يونيو 2020 الموافق 27 شوال 1441

بينما كان العالم مشغولاً جدًا في توجيه النقد ضد كل ما يحدث في أمريكا، وأصبح الجميع تقريبًا يوجه الإدانات الغاضبة على التمييز والعنصرية الأمريكية بعد مقتل «جورج فلويد»، تساءل البعض هنا في المشرق العربي عن مشكلة الخطاب العنصري والطائفي في عالمنا العربي - الإسلامي الذي يعترف بأن ثمّة عنصرية قوية موجودة لكنها لدى «الطرف الآخر» وليس لدينا «نحن». 

أي يقرّ السني بوجود نزعة طائفية وعنصرية، لكنه يرى أن مصدرها الأساسي لدى الشيعة وليس لدى السنة.

ويعترف الشيعي بوجود العنصرية والطائفية، ولكن مصادرها لدى الطائفة السنية. 

والكردي يقر بوجود عنصرية إثنية أو عرقية، لكن يرى أنها غير موجودة عمومًا لدى الكورد، بل هي تتجسد تحديدًا في سلوك وأخلاقيات العرب أو الأتراك.

ويشير المسيحي إلى وجود عنصرية دينية، لكنه لا يرى هذه العنصرية إلا لدى المسلمين. 

ولا تختص جماعة معينة بهذه الثقافة بل تتقاسمه كل الجماعات والطوائف في مجتمعاتنا العربية.

وتبلغ هذه الثقافة العنصرية ذروة انحطاطها، عندما ينظر المرء نظرة نمطية للآخر، والقول إن عنصرية «الطرف الآخر» نابعة من طبيعته أو طبيعة اعتقاداته أو ثقافته، فالمسلم متعصب ومتخلف دائمًا، والكردي غبي وعنيد بطبيعته، والشيعي حاقد ومتعصب بالضرورة، والسني متعصب ومتشدد وحاقد... إلخ.

أظن أن هذه الثقافة وهذا الخطاب بـ «عنصرية الآخر» وتنزيه الذات والطائفة، بحاجه للمراجعة والنقد في مجتمعاتنا العربية، والاعتراف بعنصريتنا نحن، وليس الآخر السني أو الشيعي أو المسيحي أو المسلم أو الغربي الأبيض... إلخ.

ذلك لأن العنصرية والطائفية نقيضان للقيم الإنسانية، والثقافة العربية بحاجة للإصلاح والمراجعة لذلك النقيض والمعشعش في أركانه الاجتماعية وفي نخبه الثقافية والدينية.

والعنصرية والطائفية نقيضان لفكرة المواطنة والمساواة بين أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات. إنهما تشرعنان التمييز بين البشر. فلمجرد أنك من هذا الدين أو ذاك المذهب أو العرق، تصبح شخصًا من الدرجة الأولى، أو من الدرجة الثانية، لك حقوق أو عليك تبعات تختلف عن غيرك. هذا خلاف العدل والروح الإنسانية السويّة. إن ممارسة العنصرية وثقافة الطائفية يشكل عائقًا أمام تمتّع الناس بحقوقهم التي أقرتها المواثيق الدولية لحقوق الانسان، والتي تؤكد على مبادئ المساواة وتشجع على احترام الحريات الأساسية للجميع، دون تمييز من أيّ نوع سواء على أساس العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو الأصل القومي، أو الاجتماعي، أو المولد، أوغيرها.

والعنصرية والطائفية تتنكّران لحقيقة أن التنوّع الثقافي والمذهبي مصدر إثراء وتقدّم ورفاهية للمجتمعات عامّة. ويفترض أن نسلّم بحقيقة التنوّع في مجتمعاتنا، وفائدته، وتقديره حقّ قدره، وحمايته وقبوله، بل والدفاع عنه، وعدم النظرة إليه كمصدر للفتنة والخطر وعدم الاستقرار.

والعنصرية والطائفية من طبعهما إشعال الكراهية والتعصب تجاه الآخر، أيًا كان، وهما مصنع متكامل للأحقاد والبغضاء والكراهية العمياء، كما أنهما محرّض في الوقت نفسه على الفتنة والاعتداء على الآخر المختلف والتعدّي على كرامته كبشر. إنهما ليس فقط تمنع إقامة علاقات طبيعية وودية وسلميّة فيما بين الناس، بل أيضًا هما سبب لكثير من النزاعات المحليّة. إن العنصرية والطائفية أداة فعّالة في تخريب السلم الاجتماعي، وتهديد أمن المواطنين، بما ينعكس سلبًا على الاستقرار السياسي، وعلى حياة الناس اليومية بشكل مباشر.

العنصرية والطائفية نقيضان لكل القيم التي جاءت بها الأديان من عدالة وتسامح وحرية وأخوة واعتدال ومساواة وغيرها. ولا يمكن قبول أيّ مذهب أوعرق يدّعي الأفضلية معتمدًا على أسس عنصرية زائفة، أو على مزاعم امتلاكه الحقيقة الدينية، والفرقة الناجية.. فهكذا مدّعى غير مقبول علميًا، ومدان أخلاقيًا، وظالم لأتباعه كما للآخرين، كما أنه خطير اجتماعيًا كونه يؤسس انشقاقات مجتمعية ويزرع الفتن والتعصّب ويمهّد الطريق لعدم الاستقرار.

وبديهي إن ارتفاع منسوب العنصرية والطائفية في التعبير الثقافي العربي، أو في المنابر الدينية، أو في السلوك العام للأفراد والمؤسسات: خطر، وينمّ عن ضيق أُفق، خاصة وأن مجتمعاتنا تطلّ على نوافذ عديدة من الصراعات الطائفية في المنطقة، وتستشعر كم هي المأساة التي تخلفها. إن الانجرار وراء عاطفة عنصرية وطائفية غير معقلنة، وغير منضبطة بضوابط الدين والدستور والقانون، يفتح أبواب الخراب والدمار على مجتمعانتا العربية.

في هذا الزمن ـ حيث تطلّ العنصرية والطائفية بوجههما القبيحان ـ يفترض على المجتمعات العربية البحث عن مشاريع تقرّب المتنوّعين، وتمنع من إقامة السدود والحواجز، وتفوت الفرص على العنصريين والطائفيين الذين قد يسعون الى استيراد أفكار تناقض الفكر الإنساني.. مشاريع تلغي أية إمكانية للاستقطابات الاجتماعية على أسس أيديولوجية أو عرقية أو طائفية أو عنصرية أو على أساس الانطباعات النمطية.

نخبة المجتمع العربي مسؤولة، لأن العنصرية والطائفية حالة نخبوية في بعض البلدان العربية، وهي التي تغذّي الجمهور بمشاعر وثقافة عنصرية وطائفية، وهي حالة قابلة للاستشراء، في حلقات مترابطة، وينعكس على الصحافة والشارع.

والنخب مسؤولة في مجتمعاتها عن إيجاد ثقافة المؤسسات المشتركة الاجتماعية أو الخدمية أو السياسية أو الدينية، إذ إن هذه الثقافة هي التي تتناغم مع الفطرة الإنسانية السويّة. 

من هنا يكون البديل هو التسامح والمساواة كثقافة وكمفهوم وكقيمة وكفضيلة، لأنهما يمثلان حلقة متصلة بجملة من المفاهيم والقيم الإنسانية الكبرى، ما يجعلهما بمثابة البوابة لخلق مجتمعات متآلفة ومتعاونة، رغم تنوّعها الثقافي والديني والعرقي واللغوي.

مجتمعاتنا العربية معنية باستمرار حالة التسامح والمساواة، لتأكيد القيم الإنسانية الجامعة، والشراكة في الأرض والمنفعة، ولتربية الأجيال على حقيقة أن بلداننا تتمتع بثراء كبير في تنوّعها الثقافي وغيره، وأن هذا التنوّع ـ وعبر التسامح والمساواة ـ لا يمثل أسوارًا وغيتوهات، بقدر ما يشكل فرصًا للانفتاح والحوار والإثراء بين أفراده.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها