النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11488 الأحد 20 سبتمبر 2020 الموافق 3 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

القتل العنصري!!

رابط مختصر
العدد 11393 الأربعاء 17 يونيو 2020 الموافق 25 شوال 1441

 ووري يوم الثلاثاء الماضي جثمان جورج فلويد التراب، بعد خمسة عشر يومًا من مقتله، شهدت فيها بعض مدن الولايات المتحدة احتجاجات عنيفة وتعديات وسرقات لا تقل عنفًا. بشكل متعمد تم إيقاظ الحديث عن العنصرية من خلال مقتل فلويد. هذا الحديث الذي من المفروض أن يكون قد أهيل عليه التراب منذ أكثر من خمسين عامًا، ليبدأ من جديد بإعادة رواية قصة الأمريكية السوداء روزا باركس نفسها التي رفضت أن تترك مقعدها في مقاعد الحافلة الخلفية التي كانت تستقلها بعد يوم عمل مضنٍ احتجاجًا على التمييز العنصري. هذه القصة تحكي بداية النهاية للعنصرية، خصوصًا وأنها قد كانت سببًا في صدور تشريعات تحرم التمييز في عموم الولايات الأمريكية. ويبدو لي أن الاستدلال بها الآن يوحي بأنها نهاية لبداية، تؤكد أن التمييز العنصري وإن كان سلوكًا ملحوظًا في المجتمع الأمريكي وغيره من المجتمعات بنسب متفاوتة وبأشكال مختلفة، ليس إلا شكلاً من أشكال ترسبات قديمة هي بصدد الامحاء تدريجيًا بفعل الزمن وتغير الأوضاع حتى وإن أوهمت بعض الوقائع العنيفة أحيانًا بأنها قد طفت على السطح بقوة وبأنها قد عادت من جديد! 

   ما تقدم في الحقيقة، يشير إلى أن المجتمع الأمريكي مثل أي مجتمع في العالم لا ينصاع بكليته إلى العمل وفق الإرادة الجمعية، حتى لو كانت هذه الإرادة مسورة بالقانون، وإلى أن تحول القانون إلى عقيدة سلوكية وقيم عليا تحكم سلوك الأفراد وتوجهه ليس بالأمر الثابت دائمًا. الثابت عندي أن هناك كثيرًا من الممارسات الفردية التي بقيت تشوه القوانين والنظم المرعية أيًا كان المجتمع الذي نتحدث عنه. فهل العنصرية في الولايات المتحدة هي حقًا سلوك دولة كما تشي بذلك شعارات اليسار الأمريكي والعالمي، أم هي مجرد ظاهرة اجتماعية تظهر وتختفي بحسب تعرجات مسارات التاريخ وآثار المنظومات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والقيمية السائدة؟ حوادث القتل الشبيهة في المدن الأمريكية كثيرة وحدثت في عهد أكثر من رئيس أمريكي وآخرها قبل جريمة مقتل فلويد مصرع المواطن الأمريكي الأسود إيريك جارنر الذي لقى مصرعه عام 2014 اختناقًا فيما يبدو على يد رجل شرطة أبيض. لن أفصل القول في هذه القضية رغم أن حادثة جورج فلويد كادت تكون محاكاة لها فالطريقة التي قُتل بها الرجلان واحدة وكذا صرخات استغاثتهما، ولكنني سأتوقف في هذا السياق عند حادثتين؛ لنجيب من خلالهما عن سؤالنا.

   شخصيتا الحادثتين هما السيد ديفيد دورن، وهو مواطن أمريكي من أصول أفريقية عمل في شرطة سانت لويس بولاية ميزوري وتقاعد برتبة نقيب في عام 2007، وعمل لدى صاحب متجر رهونات وبيع المجوهرات، شُيّع من دون أن يذكر الإعلام عنه شيئًا. أما فلويد فهو المواطن الأمريكي ذو الأصول الأفريقية الذي شيَّعه يوم الثلاثاء الماضي ما يقارب من 6300 شخص بعد مرور أكثر من خمسة عشر يومًا على مقتله. فلويد أصبح أيقونة لمناهضي العنصرية رغم أن الجريمة كانت جريمة شخص وليست جريمة دولة. 

   ديفيد دورن قتل برصاص لصوص ونقلت عملية القتل مباشرة على الفيس بوك وبدا من الصور أن هوية اللصوص الذين رموه بالنار هم من أصول أفريقية أيضًا، وهذا ما يصعب الاستنتاج بأن القتل كان بدوافع عنصرية، فيما جثا شرطي أبيض بكامل ثقله لمدة تسع دقائق على رقبة جورج فلويد وكان صوت الاستغاثة المخنوق الذي كان يطلقه فلويد مسترحمًا قاتله يصم الآذان، ولكنه لم يلقَ أي استجابة من الشرطي القاتل. مشهد القتل العمد المريع هذا مازال يتداول على وسائل التواصل الاجتماعي ومع انتشار هذا الفيديو يتعزز الانطباع بأن عملية القتل هذه عنصرية. وهذا ما يراد له أن يتعزز. مقتل فلويد أثار موجة غضب عمت كثيرًا من مدن الولايات المتحدة وبلدانا أجنبية كثيرة تعاطفت معه، فيما لم يشهد مقتل ديفيد دورن أكثر من ورقة حُررت في قسم شرطة المدينة ثم أخذ الإذن بمواراته التراب!

   ما جرى في الولايات المتحدة قد يتكرر فيها مرة أخرى، وينبغي أن يؤخذ على أنه سلوك فردي، وأنه قد يكون سلوك جماعات محدودة، إلى أنه يكون منهجًا في إدارة البلاد. وستتوقف حجم ردة الفعل على رؤية الجماعات السياسية في توظيف هذا الحدث تصعيدًا أو تجاوزًا. ولعلنا جميعا نتذكر هنا في البحرين إبان أحداث 2011 الطائفية، وهي أحداث حرضت عليها مجموعة طائفية أرادت تشويه نسيج المجتمع الاجتماعي والقيمي في توظيف سياسي رخيص ودخلت معها على الخط جماعات يسارية، ولكن ذلك لا يمكن أن يكون دليلاً على أن المجتمع البحريني مجتمع طائفي، أو أن هذه الجماعة كانت تمثل الطائفة التي تنتمي إليها، فالمجتمع البحريني متعدد الطوائف وليس طائفيًا، وكل سلوك يتبنى الطائفية هو بالضرورة سلوك فردي لا يمثل المجتمع ولا يشرفه أبدًا لأن المجتمع البحرين كان وما يزال وسيظل مجتمع التنوع والتسامح والمواطنة المتعالية على النعرات الطائفية والعرقية والمذهبية.

   أعود إلى سؤالي الذي عرضته آنفًا لأجيب عنه بناءً على قراءتي مشهد الفوضى الذي كان للأوبامية واليسار الأمريكي المناوئ للإدارة الأمريكية الحالية دور كبير فيه، فأقول إن العنصرية لم يعد لها وجود إلا في السلوك الشخصي لبعض الأفراد، وأن مقتل جورج فلويد يتنزل في هذا السياق. المفارقة فيما جرى والتي ينبغي أن تستوقف بعضهم لمراجعة استنتاجاتهم من حادثة القتل، إن مجلس الشيوخ الأمريكي في اليوم نفسه الذي قتل فيه فلويد كان يصوت على تعيين الجنرال الأسود تشارلز براون رئيسًا لأركان القوات الجوية. طبعًا ليس هذا التعيين هو الأول، فهناك كثير من المناصب القيادية التي تبوأها سود وملونون في أمريكا، حتى وإن اختلفنا مع كثير مما مارسه قادة أمريكا من السود من سياسات كانت ضد مصالحنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها