النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:52PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

الإنسان من عبادة الطبيعة إلى العبث بها

رابط مختصر
العدد 11393 الأربعاء 17 يونيو 2020 الموافق 25 شوال 1441

  • التكنولوجيا مؤهلة أن يطورها الإنسان إلى مرحلة تنقلب فيها التكنولوجيا على الإنسان

 

ما أعظم الطبيعة، والطبيعة هي الأم المرضعة لكل حي وشبه حي ولكل جماد وشبه جماد، وهي الحضن من المهد إلى اللحد، وهي المهد وهي اللحد، وقد استلهم الإنسان، بجميع ألوانه اللغوية، من اسمها صفة لجملة من الأسماء، الخاصة والعامة. فنقول طبيعة الإنسان، طبيعة الحيوان، طبيعة فلان، طبيعة الشيء، طبيعة المادة (طبيعة الذرة، طبيعة الأكسجين)، إلى آخر الأسماء، فمن اسم «الطبيعة» يتولد صفة الأسماء كلها، وندرجها في قواميسنا اللغوية، ونرسمها على صفحات كتب الأدب والعلوم، وتلوك بها الألسن في معرض الكلام. والطبيعة هي الوجود كله، وكل الوجود طبيعة، والطبيعة وحدة متكاملة متناغمة في ملكوت الوجود المطلق، وقوانينها فرض عين على كل الكائنات، وعلى رأسها الإنسان... ولا سبيل للعبث بقوانينها مهما ازداد حجم مخ الإنسان وتطور ذكاؤه وتجبر دهاؤه وعلت سطوته وتوسعت علومه وتعمق فكره، فهو الرضيع للطبيعة من مهده إلى لحده.

وكطبيعة كل أمر وشيء، بين الإنسان وبقية الكائنات، وبين الإنسان والإنسان، تكون البدايات جميلة وبريئة ولطيفة وناعمة رقيقة. الطفولة ما أروعها، وبرعم الصبار ما أنعمه وفُرْعُلُ (صغير الضبع) ما ألطفه، والشيطان الطفل يشع جمالاً ورقة وبراءة، و مع النمو الطبيعي و التاريخي للإنسان يبدأ التحول النوعي من حال إلى حال آخر، ومن مسلك إلى مسلك آخر، ومن فكر إلى فكر آخر، ومن نية إلى نية أخرى، وجميع التحولات تؤول إلى نقيض أو شبه نقيض ما قبلها، ويصدق المثل «أعلمه الرماية كل يوم، فلما اشتد ساعده رماني»... وحال الطبيعة مع الإنسان أشد وطأة وأعمق جرحًا من حال معلم الرمي.

الطبيعة هي أم الأمهات، و قصة الإنسان مع هذه الأم غير سارة ولا مشرفة ولا تنم عن عرفان للجميل ولا تقدير لمكانة الأم ولا وعي لمعنى الأمومة، إنها قصة خيانة بالمعنى المطلق، وهي خيانة أبشع من أن تقاس بخيانة الملك أوديب (1) عندما زنى بأمه.

الإنسان الفرد يعيش دورة حياتية قصيرة بحكم السنين، والإنسان بكامله البشري يعيش دورة حياتية بحكم الدهر، من دهر الطفولة مرورًا بتعاقب دهر بعد دهر إلى الشيخوخة وما بعدها عندما تنطفئ شمعة الإنسان. فما وُلِدَ الإنسان ليبقى خالدًا، فكل ولادة يعقبها موت، وهذا واحد من قوانين الطبيعة... وتلد الطبيعة بعد الإنسان نسلاً (جنسًا) جديدًا، فالأم تحن دومًا لوليد بديل بعد غياب وليد. عندما كان الإنسان في دهر الطفولة وبلغ الصبا كان يعبد أمه، كان يعبد الشجر والشمس والقمر، وغيرها من كائنات الطبيعة ويقدم لها الأضاحي والقرابين، وكان يستعد لاستقبال كل فصل من فصول السنة يعد له طقوسًا احتفالية وقرابين كثيرة، وكان في بعض الطقوس يقدم دم الإنسان قربانًا للطبيعة على مذبح الإله، هكذا كانت نظرة الإنسان إلى أمه الطبيعة عندما كان في عمر دهر الطفولة. و توالى دهر بعد دهر، وتطورت نظرة الإنسان إلى مملكة الطبيعة، فجعل للمكونات في الطبيعة آلهة، فكان إله الخصب وإله الريح وإله البحر وإله الحب وإله الحرب، فتعددت الآلهة بتنوع مكونات الطبيعة ومناحي حياة الإنسان. وتوالى دهر بعد دهر، فتغيرت نظرة الإنسان إلى مفهوم الإله والآلهة، فاختزل مجموع الآلهة في صيغة مجردة، لا علاقة لها بالطبيعة، هي ثنائية إله الخير وإله الشر. هذه المسيرة الدهرية ترسم محطات متعاقبة تعبر عن نظرة الإنسان إلى الطبيعة وما يقتضي من تلك النظرة علاقة الإنسان بالطبيعة.

بموازات هذه النظرة والعلاقة مع الطبيعة، خط الإنسان لنفسه، تحت وطأة حتمية الصراع من أجل البقاء، مسارًا آخر له علاقة مباشرة بضرورات معيشته وسبل تحسينها وتطويرها، فكان المسار العملي و الأدواتي والمعرفي والعلمي والتكنولوجي إلى غزو الفضاء والعمل على كشف أسرار الطبيعة! والطموح إلى الخلود (2)... وعلى هذا المسار انقلبت الآية بين الإنسان والطبيعة، خاصة بعد الثورة الصناعية وصعود رصيد التكنولوجيا الجبارة بأدواتها الميكانيكية والكهربائية و الكيميائية والإلكترونية والنووية، وحبل التكنولوجيا على غارب الإنسان الذكي (Homo Sapiens) لتطوير الأدوات الموجودة وابتكار أدوات جديدة. هذه التكنولوجيا الجبارة أضحت تتفاعل وتنمو مثل الانشطار النووي، ولا تعبأ لا بقوانين الطبيعة ولا بطهارتها ولا بجمالها. كشف الإنسان عن الطبيعة سترها، وأوغل أدواته في عمق جسدها، فأخرج من باطن الأرض أسرارها، أثقالها من معدن وسائل وغاز، رغم أنف الطبيعة.

وهذه التكنولوجيا مؤهلة أن يطورها الإنسان إلى مرحلة تنقلب فيها التكنولوجيا على الإنسان، مثلما ينقلب السحر على الساحر.

كان الإنسان في بداية دهره طفلاً يحب (يحتاج إلى) أمه، وعندما انتفت الحاجة انطفأت شمعة الحب لها في نفسه، ولم يعد بحاجة إلى أن يرضع من ثدي أمه. تمرد عليها وأخذ يعبث بها، إذ إن العقل الذي، صلب عوده ونما، أوعز إليه أن يجعل من الطبيعة مطية ويتحدى قوانينها.

قوانين الطبيعة أقوى من قدرات الإنسان الذكي، و المسافة بينهما أبعد من أن تقاس، في ذكاء الإنسان جرثومة من حماقة الغرور، بينما الطبيعة بوحدتها وميزانية (Equilibrium) قوانينها، هي القوة الظاهرة والحكمة المكنونة. هذه الوحدة بين القوة و الحكمة مازالت عصية على الإنسان، ونسى الإنسان أو غفل، أو أنه يتناسى، أن ذكاءه ليس إلا نتاج تفاعلات قوانين الطبيعة، فكيف يمكن لذرة من نتاج الطبيعة أن تتمرد على كامل الطبيعة، إنه خبل الإنسان.

الإنسان بطبيعته الذكية! عقرب في علاقته بأمه الطبيعة، تحمل العقرب الأم صغارها على ظهرها، فيتغذى صغار العقرب بجسم أمهم، ويأكلونها أكلاً لَمَّا، ولا يبقى من الأم أثر في ظاهر الوجود، بل في باطن الصغار (3)... ولكن أمومة الطبيعة ليست أمومة العقرب حتى تترك وليدها الإنسان يأكل فيها، الطبيعة بحكم الدهر تلد اليوم طفلاً وتدفنه غدًا، وبعد غد تلد طفلاً بديلاً...

وهكذا يكون الإنسان قد قضى على نفسه، وحفر قبره بحماقة ذكائه...

(1) «أوديب ملكًا» هي مسرحية من الأدب التمثيلي اليوناني القديم للكاتب سوفوكليس.

تدور أحداث المسرحية في مدينة ثيبة. كان الملك «لايوس» ملكًا لطيبة وقد تزوج ولم ينجب، فذهب لمعبد دلفى (معبد يوناني يستطلعون منه النبوءات) ليعرف حلاً لمشكلته فجاءت إليه العرافة بنبوءة، أنه سينجب ولدًا سوف يقتل أباه ويتزوج من أمه.

(2) طموح الإنسان إلى الخلود، هو أمل الإنسان منذ بدء وعيه لذاته، وقد عبّر عنه الأديب الكبير توفيق الحكيم في روايته القصيرة «في سنة مليون»، عندما استطاع الإنسان أن يحقق الخلود لنفسه إلى درجة أنه لم يعد يعرف الموت.

(3) هذا القول شبه أسطورة ملحقة بحياة العقرب، فصغار العقرب يبقون على ظهر أمهم فترة وينزلون بعد ذلك تاركين أمهم في سلام، وقد اعتمدت على الوجه الأسطوري لحياة العقرب للتعبير عن علاقة الإنسان بأمه الطبيعة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها