النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11518 الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الموافق 3 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

خارج العزلة الكوفيدية.. داخل الكون المسرحي..

رابط مختصر
العدد 11392 الثلاثاء 16 يونيو 2020 الموافق 24 شوال 1441

 يشغلنا المسرح، نمارسه، نتحاور حول همومه وإشكالاته، نستقصي زمنه وما وراءه، نقرأه ونتابعه، نعيشه ونحياه، نشاهده ونتفاعل معه، نقصده أنّى كان ونجسده، نستحضره في فكرنا ويومياتنا وتجاربنا ورؤيانا، نمتسي به ونسامره، نراه أجمل الصبايا وأخصب الفنون، نغريه بضجيج أجسادنا فيفتننا بغموضه، يفترسنا فضاؤه ويجذبنا أفقه، نحاكيه فيغايرنا، نتخيله فيحققننا، نتوحده فيمزقنا، نكونه فيُمسئلنا، نتشاكله فيمشكلنا، نعاينه فيختبرنا حيث لا خلاصة ولا نتيجة، يباغتنا بشكوكه ويعتقنا بسحره، نستضيفه في جلوتنا فيأسرنا وهجه، نبحثه فيكتشفنا، نرصده فيجتازنا.

لذا هو فينا وإن تباعدت الدروب والمسافات بيننا وبينه، أو داهمنا في لجة الانتشاء به داء بيننا وبينه وريد هو أقرب إلينا من حتف يسمونه موتًا وتارة يسمونه كارثة أو فاجعة أكثر فدحًا من الموت نفسه.

نعم هو فينا، يسكننا، نتساكنه، مهما كان حجم الجائحة أو نوعها تلك التي يسمونها كورونا تارة وتارة عزلة لا بد منها بين المسرح والحياة، فللمسرح وهج يستنطق الرماد والهشيم، ويقرب الوسيط بوصفه حي يعاش، إذ لم تعد تكنولوجيا العصر بعيدة عن التمسرح في الحياة، ولم تكن حبًا من طرف واحد، أصبحت مسرحًا كبيرًا يستقطب المؤدي والمتلقي معًا، وتفتح لهما نوافذ لحوار لم يتحقق باقترابهما معًا في صالة واحدة أو فضاء واحد، لذا لا بديل للمسرح لأنه ببساطة شديدة ليس في الغياب.

في هذه العزلة المزعومة انكببت على مشاهدة وقراءة الاتجاهات المسرحية العالمية الخلاقة والمؤثرة من خلال عروض مسرحية بعضها تسنى لي معرفة منتجها وبعض ما قدمه، وبعضها أضاء لي مساحات رؤيوية جديدة في مشاهدتي الأولى له، وكما لو أنني أعيد صياغة وعيي ورؤيتي من جديد، وكان الصديق الفنان الجميل صاحب الذائقة الفريدة حسين رفاعي ابن فرقة مسرح الصواري التي يشرفني أن أكون أحد مؤسسيها قد أسهم في مدّي بأهم الاتجاهات المسرحية، إدراكًا منه بأنني سوف لن أقبل إلا بمشاهدة ما يضيء وعيي ومخيلتي ويثير فضول البحث فيها لدي.

ومن أهم ما اطلعت عليه من هذه الاتجاهات، ومن خلال تقنية وُظفت لتقنية المسرح وليس من خلال تقنية تعيد صياغة إخراج العرض المسرحي برؤيتها الخاصة، مسرحية إلكترا للمخرج والمعلم الياباني سوزوكي، وعرض (من طقوس الربيع) للمخرجة الألمانية، أستاذة الرقص الحديث، بينا باوش، ومسرحية شغف آدم للمبدع روبيرت ويلسون، ومسرحية (الماكينة هاملت) لفرقة محيط الأشياء الأرجنتينية ومسرحية (طبول فوق السد) للمخرجة الفرنسية آريان منوشكين، ومقاطع من عروض وتدريبات المخرجة الصينية الألمانية ساو كفي، ومسرحيتي أكروبوليس والأمير الجلد أو الصامد للمخرج البولندي جيرزي غروتوفسكي، ومسرحية أنتيغون بريشت للمخرج جوديث مالينا مؤسس المسرح الحي، ومسرحية طبقة ميتة للمخرج البولندي تادوش كانتور، وخمس مسرحيات قصيرة لصموئيل بيكيت وهي (قطعة مسرح ـ مهمدهدة ـ فصل بلا كلام ـ لا هذا ولا ذاك ـ ذهب واذهب) للمخرج المفكر بيتر بروك، ومسرحية هاملت للمبدع أوجينيو باربا.

وشاهدت «تراجيديا لا نهائية» وهي عبارة عن 11 حلقة، كل حلقة تعبر عن معاناة وآلام مدينة أوروبية للمبدع المشاكس روميو كاستيلوتشي، الذي ينتمي لمسرح «ما بعد الدراما» وهو مخرج يحول الجسد إلى مادة درامية، والحوار إلى صوت إنساني يخترق الجسد، ومن مسرحياته التي أثارت المسيحيين في أوروبا والذين دفعهم التطرف إلى حد أنهم يحضرون المسرحية كل ليلة للتشويش على العرض، وكان ذلك في إيطاليا وفرنسا وألمانيا، هذه المسرحية اسمها (حول مفهوم وجه ابن الله)، ومن المسرحيات التي شاهدتها، مسرحية سوناتات لشكسبير، والراكب الأسود للمخرج بوب ويلسون، ومسرحية بوابة للمخرج البولندي ليزك مونجيك، ومسرحية حمم لريتشارد فورمان مؤسس مسرح هيستيريا الأنطولوجي، ومسرحية الجنة الآن للمسرح الحي الأمريكي، ومسرحية 7 ثوانٍ للمبدع الألماني فالك ريستر.

اتجاهات وعروض مسرحية تستدعي التأمل والبحث والاكتشاف، وتثير أسئلة كثيرة وخطيرة في كل ما يتصل بالمسرح ويتعالق معه، الأمر الذي دعاني لأن أطلق على هذه العزلة المفتوحة على فضاءات العالم وفضاءات الفكر والفن والمخيلة والإبداع والمغايرة، (مهرجان خلك بالبيت الدولي للمسرح الخلاق)، فهو مهرجان بما تعني الكلمة من معنى ودلالة، وهو فضاء لم يهيئه المسرح لي إبان كان خارج العزلة الكوفيدية، مهرجان دفعني لاستحثاث أسئلة كامنة عدواها في رأسي منذ زمن.

فما المسرح؟

قيل إنه الخشبة وحدها، الخشبة بالقاعة والصالة، قال المسرح: لا يكفي. قيل إنه الشارع /‏ المقهى /‏ المنتزه /‏ البيت /‏ الأثر /‏ المدرسة /‏ العربة /‏ المرفأ /‏ الساحة /‏ الميدان /‏ الملعب /‏ المأتم /‏ الحلقة /‏ السفينة، قال: لا يكفي. قيل: ربما أحدهم. قال: ربما بعضهم أو كلهم أو ربما لست أحدًا من كلهم أو أحًدًا في كلهم أو بعضًا من أحدهم. قيل: إنه النص حين يتجسد. قال: تجسدت قبل النص وبعده، فاقرأوني بالتي تفتض أحرفها في جسدي وتتخلق فيني دون أبجدية.

قيل: وما النص؟ قال: علمه في سورة الهتك وسفر المخاض، قيل إنه الشخّاص حين يترجم النص /‏ الحديث /‏ الشخصية /‏ الحوار على جسده، قال: لم أعد حوارًا في النص ولم أعد شخاصًا مترجمًا، كلما استنفر طاقة خلية في جسدي تغويني أخرى أكثر تأججًا إبهامًا وإغراءً، كلما أتلبس شخصية في النص تؤازرني رغبة الشطط والجنوح حد الخلع الى أن يستوي أمر خلقي.

قيل: وما الجسد؟ قال: يقال إنه شخّاص تناسلت فوضاه في هجوع الخليقة فتأبَّدها الأرق، ويقال إنه الذي آثر أن يتجسد في مسام الريح ويغترف الزوابع.

قالوا عن الجسد إنه قامة ملؤها لحم ودم عظم وحياة ففيما نختلف؟ قال: لا نتفق حتى يتبين سر القامة في أصبع دون سواه فيها، أو في نأمة ابتدعت ضلالتها في كل محدثة فارطة، قيل إنه المُخرج حين ينظم المتناثرات ويفسرها وفق ما يرتئي وفي أي بيئة يشاء، قال: اختلف النص معي لأنني انتهكته، بعثرته، تجاوزته، ألغيته، بعثت حياة فيه ربما يرفضها، أو ربما يحلم بها، أو ربما يلتبس فيها، أخشى أن أكون منظمًا فتسيجني أسوار الذاكرة، حيث لا منفذ للمخيلة ولا مجال للقرار، أخشى أن أكون منظمًا فلا أرى في بيئتي غير جسد يشاكلني، أو يحتذيني، قالوا إن النظام يعني طوابير العسكر في الضبط، طوابير المدارس في تهيؤات العصا، عجين الطاقة في عجلة الروتين، قال أخشى أن أكون مفسرًا فلا أغادر رؤية الباطن والظاهر في المتحصل والملموس، أخشى أن يفسر المفسّر بالمفسِّر عنه.

قيل وما المخرج؟ قال: خلق مغامر دائب التجسد في المختلف والمغاير، هو المتحول، المتجدد، اللامستقر، (كل يوم هو في شأن)، قيل وما المخيلة إذاً؟ قال: إبداع تتجلى فيه قدرة الخلق حين تتقد، إنها طاقة تنفذ من رحم المتحرك المألوف لتصوغ المدهش في حيز الساكن، إنها بؤرة الاشعاع في فضاء العرض، قيل إنها عضلة ناشزة في الجسد، قال: مِفنٌّ كله الجسد إذا اعترته المخيلة، قيل إنه التواصل بين العرض والناس، قال: اقتربت منهم حد التوحد، اغتربت عنهم حد العزلة، واضح كالفضيحة، مبهم كالظلمة، أحيانًا كثيرة لا أعرف سببًا لاقترابي أو اغترابي، لوضوحي أو إبهامي، أحيانًا أدرك أنني لازلت طفلاً يلعب، يواصل اللعب ويخترع أجمل اللعب ويدعو - دون قصد ـ الآخرين لمشاركته لعبته، بعضهم يستحسنها وبعضهم يأنفها أو يملها، فبراءتي شفاعتي، وأحيانًا أشعر أن هناك أجسادًا مترهلة وعقولاً بليدة فأخشى عليهم وربما على نفسي من هذا الداء الوباء، فاستحث كل طاقة الجسد على الحركة وتجاوز حالة الموت.

بعضهم يعتقد أنني قارب نجاة فينجو بنفسه ويجسده معي، وبعضهم يعتقد أنني طفل مشعوذ فيستكين إلى مواته خير من أن يفقد عقله وأحيانًا أتأكد من أنني الاستثنائي المبدع من بين هؤلاء الناس فأزاول مهمتي دون أن ألتفت الى أحد، ولم يدر بخلدي قط إن كنت المتواصل مع الناس أو المغترب عنهم، ربما يتواصلون معي في غموضي لكن علي إزاء كل ذلك أن أنطلق من القيمة الاستئناثية لمفردات عرضي ومدى تأثيرها عليهم وليس العكس، شيء واحد أطمح إليه، ولا أعرف إن كان حقيقة أم لا، وهو أن يكون كل الناس استثنائيين مبدعين مثلي فتصبح الحياة كلها مسرحًا من المنطلق الإبداعي وليس من المنطلق اليومي، قالوا ربما تتوهم… قال، والحديث للمسرح: إنني أحلم كي لا أفقد المخيلة وأحيا بذاكرة من صدأ، سألت أريان منوشكين: ما هو المسرح؟ فلم تجب طيلة التجربة، ونحن على حين غفلة أجبنا!

سؤال المفكرين في المسرح تستغرق الإجابة عليه أو تفجير أسئلة أخرى من خلاله على التجربة أحيانًا عدة أعوام. وأغلبنا للأسف الشديد.. على الصعيد العربي، إلا من رحم ربي، يحسم أمر تجربته من خلال الإجابة التي لا تستدعي ولا تحتمل حتى سؤالاً واحدًا…

فلنبحث في العزلة علنا نكتشف أن العزلة جاءت لتذكرنا بأننا في حومة الانفعال نسينا مفتاح السؤال وبالتالي ظلت الأبواب مغلقة وكما لو أن العزلة هي المفتاح والأبواب..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها