النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11858 السبت 25 سبتمبر 2021 الموافق 18 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:31PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

الاقتصاد في قبضة كورونا

رابط مختصر
العدد 11391 الإثنين 15 يونيو 2020 الموافق 23 شوال 1441

  • كانت كل البدائل جاهزة للاستلقاء فورًا على أسرة الطبيعة المجهدة

 

من قبل أن تأزف الآزفة، وتهجم الجائحة، كانت مناعة الكون، كأنها مناعة القطيع تعاني من الوهن، ونقص المناعة، كانت الأمراض الاقتصادية المستعصية، والعوامل السياسية المتماهية، والمجتمعات الإنسانية المتوارية تستعد لكي تلقي بقوانينها الخاصة على لوائح المعمورة الوضعية، على تشريعاتها، وحساباتها، وموازين مدفوعاتها، على الأخضر واليابس، والزرع والضرع، ومنظومة الخلاص الربانية التلقائية.

كانت كل البدائل جاهزة للاستلقاء فورًا على أسرة الطبيعة المجهدة، و2020 يوشك على البزوغ، معدل نمو اقتصادي يتراوح ما بين 1-3% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الصين على تجبرها يتراجع معدل ناتجها الإجمالي بمقدار 3-4% ليصل إلى 6,7%، الهند بقوتها البشرية وتداركها لأهمية التكنولوجيا الحيوية تلاحق الصين في نموها وتسجل نحو 6%، توقعات بأن تجتاز مصر محنتها مع مياه النيل ومع مشكلاتها مع الإرهاب وليونة الحدود ليصل معدل نمو الاقتصاد فيها إلى نحو 5% وربما يزيد.

العالم القديم ينتفض، والعالم المسمى بالمتقدم يُحال قسمه المؤثر مؤقتًا إلى التقاعد، ويأتي 2020 مزملاً للمرعوبين من أزمة محدقة، والمدفوعين بتوقعات منجمين، والمدثرين للعديد من معامل التجارب التي كانت تعمل على قدم وساق في سبيل سبر أغوار المجهول وأي مجهول.

الاقتصاديون، وبعض الخبراء المعنونين بالافتراء على الغيب كانوا يشيرون إلى أزمة مالية ماحقة لا تتشابه بالتأكيد مع الكساد العظيم في عام 1929، ولا تلتقي بأي حال مع الأزمة المالية العالمية التي غيرت المُتغير في أغسطس من عام 2008، ولا تتوازى بكل تأكيد مع الركود الممتد الذي داهم المعمورة في نهاية القرن التاسع عشر عندما أرخى سدوله على القادم من سنوات في مطلع القرن العشرين.

السيئات لا تذهبن الحسنات، لذلك التشاؤم هو سيد الموقف حيث التنبؤ لا يمكن أن يفشي سرًا سوف تبوح به الطبيعة قريبًا، والتكهن لن يقود الإنسانية جمعاء إلى كارثة اقتصادية من الممكن لها أن تتحدث عن نفسها قبل أن يهب إعصارها المميت، كل التوقعات تشير إلى فشل كل التوقعات، لذلك فإن أحدًا لا يمكن له أن يتنبأ من أين يؤكل كتف الكون هذه المرة، هل من وضعها البيئي المتردي، «أوزون متهالك، درجات حرارة ترتفع، نيازك تهب، ومجرات تتبادل مواقعها مع أسرار لم يتم البوح بها مجددًا»؟ هل هي السياسة وعدم الاستقرار في بلاد النفط؟ هل هو محور الشر المتمثل في إيران وكوريا الشمالية وما تيسر من جماعات إرهابية داعشية أو قاعدية أو غيرها؟ أم أنه الاقتصاد بتركته الثقيلة، وحسبته المعقدة، وأوضاعه الملتهبة هو الذي يقود إلى كارثة كونية وشيكة؟.

ما أن انتهى شهر يناير 2020 حتى بدأت إرهاصات الأزمة في التحليق فوق سماوات مغبرة، وعلى أراضٍ موبوءة، وعلى ما بين «تائهٍ بين السماء والأرض»، بدأ الحديث من ووهان الصينية عن وباء يُدعى كورونا، وعن إصابات بعشرات الآلاف وضحايا بالآلاف، وأكثر منهم في «بطن الشاعر» الصيني القديم.

لم يكترث أحد، ظلت خطوط الطيران على حالها قبل خسائرها التريليونية، رحلات من الصين وإليها، ومصابون يتنقلون معها، حاملين الفيروس الجائحي اللعين، حتى انقشع الغيب وتحدث المجهول بلغة الأوبئة القديمة، «فيروس غامض يداهم الكون من جديد»، لم يستطع أحد تحديد مصدره، هل من خفاش لعين، أم من أفعى مرقطة يتم الاستمتاع بلحمها الطيب على المائدة الصينية التقليدية، أم من آكل نمل على أعلى درجة من الحيوية والشجاعة في تجميع كل فيروسات الخليقة تحت جناحيه المهيضين؟.

بصرف النظر عن المصدر، كان الوباء هو كلمة السر في الأزمة الاقتصادية القادمة، هو الكشف الأثري الملعون الذي حلت جائحته على الاقتصاد، وأرغمته على إخراج 12 تريليون دولار من صناديق السيادة وخزانته العنكبوتية، ومصادر تألقه التاريخية.

الولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم «16 تريليون دولار سنويًا» تتهم الحصان الأسود الجامح للصين «نحو 11,8 تريليون دولار كناتج إجمالي للاقتصاد» بأنها أخفت معلومات عن الجائحة، وأتهمت جهارًا نهارًا معملًا بعينه في ووهان الصينية بأنه وراء إطلاق سراح فيروس كورونا، وأن الصين «بخبثها التقليدي» لم تفصح عن السر.

بصرف النظر عن السبب في انتشار الوباء، وبعيدًا عن تبادل الاتهامات التي وضعت الكون كله في دائرة خطر مريضة بالرغبة في الانتقام، إلا أن تداعيات الجائحة اقتصاديًا سوف تكون هي الأشرس منذ بدء الخليقة حتى الآن، سوف ينقلب الهرم التنموي للدول، التراجع سوف يكون سمة اقتصاديات 2020، و2021، و2022، و2023، والنمو السالب سوف يلحق بدول كانت تحمل رايات الطفرة، وتبشر بأن تعتلي عرش الرخاء الاقتصادي لسنوات عديدة قادمة، هل صدقت نبوءة المنجمين، وهل انهار الاقتصاد أو سوف ينهار بما فيه الكفاية خلال المستقبل المنظور؟ ربما لكن الأكيد أن الكون أمام أصعب اختبار له في تاريخه المحسوب بالجوائح، نفط لا قيمة له في عقود آجلة خلال شهري إبريل ومايو الماضيين، سعر برميله أقل من صفر، يرتفع بوعد من أوبك+ إلى ما فوق الأربعين دولار لخام برنت، و39 دولارا لنايمكس، والإنسانية جمعاء تقف الآن على شفا حفرة مكتظة بالجثث المحروقة، والأراضي النافقة، والنفايات المارقة، أكثر من ذلك أن صناع القرار أصبحوا مسئولين عن قرار لم يصنعوه، وعن تاريخ لم يكتبوه، وعن مصير لن يدركوه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها