النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11448 الثلاثاء 11 أغسطس 2020 الموافق 21 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

قطر: فالج لا تعالج

رابط مختصر
العدد 11388 الجمعة 12 يونيو 2020 الموافق 20 شوال 1441

 قطر تعلم علم اليقين أن أزمتها المتفاقمة، وحيرتها في كيفية إعادة علاقاتها بعد ثلاث سنوات من المقاطعة الشاملة بالدول الأربع المكافحة للإرهاب وفي طرائق تخليص نفسها من الورطة التي أوقعت فيها نفسها نتيجة عجرفة سياسية ومراهقة دبلوماسية وسوء تقدير، لم تعد تعني كثيرًا لهذه الدول بعد أن تيقنت قيادات هذه الدول أن قطر تشكو من نرجسية فاقعة ترقى إلى مرض عضال قيل فيه شعبيا «فالج لا تعالج»، تعبيرًا عن اليأس من وجود علاج لهذا المرض. وما ينبغي على قطر إدراكه دائمًا أن أمن هذه الدول الأربع واستقرارها يأتي في المقام الأول، ولهذا فإن الأمن والاستقرار يتحققان ويترسخان أكثر فأكثر بدون قطر الممولة للإرهاب والتطرف والداعمة لكل العمليات التي تستهدف أمن هذه الدول وشعوبها. وشعب البحرين هو من أكثر الشعوب التي عانت من الأعمال الإرهابية والتخريبية التي دعمتها قطر على مدى سنوات.

 ويبدو لي أنه بمناسبة مرور ثلاث سنوات على مقاطعة كل من السعودية والبحرين والإمارات ومصر- وهي المقاطعة التي تقاسي من آثارها حكومة قطر دون غيرها رغم ما تظهره من مكابرة وعدم اكتراث- قد بثت قناة الفتنة والتحريض وخراب الأوطان، قناة الجزيرة، لقاء مع وزير خارجية قطر لا ليقول شيئًا إلا ليعيد أسطوانته المشروخة التي تؤكد لقادة الدول الأربع بأن قطر لم تبارح موقفها القديم قيد أنملة، ويبدو من خلال خطابه أن حكومة دولته رغم حاجتها إلى الوصول إلى المصالحة - هذا إذا ما جاز لنا أن نعتبرها حكومة بكل ما تعنيه كلمة حكومة من استقلالية القرار الوطني وسياديته - لم تتخذ قرارًا بشأن تخليها عن نرجسيتها ومكابرتها. وقد بدا من خلال جملة الأسئلة التي أجاب عنها الوزير بأريحية، أنها أسئلة فُصلت تفصيلا على مقاس خطاب حكومة قطر المتهافت الموجه إلى الشعب القطري وإلى الإعلام الأجنبي، وليس إلى الدول المقاطعة التي تبحث عن أفعال ترتقي بأداء حكومة قطر إلى مستوى المسؤولية التي ينبغي أن تتحلى بها في التعامل مع أزمتها، ولا يهمها من قريب أو بعيد ما في هذا الخطاب من دعاية للنظام القطري. 

 كل ما جاء على لسان وزير خارجية قطر لا يمت إلى الحقيقة والواقع بصلة. فقد تحدث عن أن هناك مبادرة مطروحة، كويتية أمريكية! والأجواء بشأنها إيجابية! والحقيقة أننا لا نعرف شيئًا عن هذه المبادرة، إلا إذا كان هو نفسه يكشف سرًا، علمًا بأن مبادرات حل الأزمات الشائكة مثل أزمة قطر، تأخذ وقتها في السر بين الدول ليُعلن عنها فيما بعد في الإعلام. في مطلق الأحوال نحن لا نصدق ما يقوله سياسيو وإعلاميو قطر كبيرهم قبل صغيرهم. ثم أية أجواء إيجابية يتحدث عنها الوزير، إذا كان لقاؤه نفسه، هذا الذي نتحدث عنه يدخل في خانة التأزيم، وفيه ما فيه من التقول على الآخرين ومن تزييف الحقائق الذي يظهر الدول الأربع في مظهر الدول الشريرة التي لا تريد لقطر ولا للعروبة والإسلام خيرًا، ويبتدع لقطر صورة الحمل الوديع المظلوم والمستهدف من مقاطعيه، وفي هيئة الممارس السياسي الجسور الذي لا يخضع للتهديد، وفاته وهو ينسج تفاصيل هذه الأكذوبة أن فيما قال إدانة صريحة لبلاده بالعمالة والضعف الذي يجعل عجزها عن رفض أي طلب تتقدم به إيران أو تركيا أو حتى الولايات المتحدة الأمريكية شهادة جبن لا جسارة، واعترافًا صريحًا بأن قطر كانت وما تزال أداة طيعة في يد الدول اللاعبة في الساحة القطرية.

 كان الوزير ملفتًا للانتباه عندما قال «كنا ملتزمين باتفاق الرياض، والمحاضر تثبت ذلك ودول الحصار انقلبت على الاتفاق». لا نشك أن في السياسة شيئًا من الدبلوماسية، ولكن أن تصل الدبلوماسية إلى حد الكذب الواضح، فهذا ما لم يأته الأولون والآخرون. سؤال بسيط أطرحه على الدبلوماسي الكذّاب، وإني لا أنتظر منه ردًا؛ لأن الإجابة أظهر من أن تقال: كيف فجرت بلاده الخلاف مع الدول الأربع فجرى كل الذي جرى؟ ألم يكن الخلاف على تنفيذ ما كان مطلوبًا من قطر تنفيذه؟!. 

 وزير خارجية قطر لم يتطرق، لا من قريب ولا من بعيد، إلى أي نقطة من النقاط التي قادت الدول الأربع إلى اتخاذ قرارها الحاسم بالمقاطعة بكافة أشكالها ضد بلاده. وكان حريًا به، لو كان صادقًا فيما تحدث به، أن يقدم أمثلة عمّا اتخذته حكومة بلاده من إجراءات لمعالجة الأسباب التي قادت الدول الأربع لاتخاذ قرار المقاطعة، وإعادة الأمور إلى نصابها. عندها فحسب، كان يمكن لكلامه أن يكون منسجمًا، ولكنه لم يقل ذلك، بل ولم يفكر فيه لأنه ببساطة غير موجود أصلاً، فبلاده التزمت سلوك التعالي ظاهرًا، حين ارتمت في الحضنين الإيراني والتركي نكاية في الدول الأربع المقاطعة، ولكنها في الحقيقة كانت تجاهد في إخفاء خوفها على استقرار أوضاعها من انقلاب ممكن وقريب أو تمرد متوقع جدًا نتيجة تتالي المصائب والأخطاء القاتلة التي ترتكبها حكومة الدوحة. ولعل المتابع لسلوك قطر خلال هذه السنوات يلاحظ بيسر رعونةً جلية في التعامل مع أزمتها، وأنها لم تلتزم بأي من البنود التي تم الاتفاق عليها في عام 2014؛ لأن نكث العهود بات طبعًا لدى حكام الدوحة منذ زمن بعيد.

 على القيادة السياسية في قطر أن تتحلى بشيء من الواقعية والحكمة، وأن تحكم تقدير ما يجب عليها تنفيذه من المطالب التي أوضحتها الدول الأربع؛ فتضعها محل تقدير يرتقي إلى التقديس رحمة بشعبها؛ لأن في ذلك أمنا لها هي أولاً وبالذات قبل أن يكون أمنًا للدول المقاطعة، فهي -أي الدول المقاطعة- تملك من القوة الذاتية ومن التلاحم ما يمكنها من الدفاع عن نفسها أيًا كان الخصم. على قطر أن تترك المكابرة وتلعق جراحاتها إذا ما أرادت أن تبقى حيث حضنها الطبيعي، فلا إيران بتوجهها الصفوي ولا تركيا بنزعتها العثمانية سيكونان أرحم عليها ولها من أشقائها العرب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها