النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:52PM
  • المغرب
    5:25PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

قصة قطر الحديثة مع البحرين العريقة

رابط مختصر
العدد 11386 الأربعاء 10 يونيو 2020 الموافق 18 شوال 1441

  • جهزت لها الأداة الإعلامية الضخمة تحت مسمى «الجزيرة» تبث منها الأكاذيب والتلفيقات بغية إحداث الفوضى

 

على امتداد الخليج العربي من مصب النهرين في شط العرب ومنه في مياه الخليج شمالاً، إلى المضيق الفاصل بين الخليج وبحر عمان جنوبًا، يبرز أصبع ترابي يمتد من الشاطئ الشرقي للجزيرة العربية إلى بضع أميال في مياه الخليج، وشمال هذا الأصبع وعلى مسافة رؤية العين تتجلى جزيرة صغيرة، كأنها منارة في البحر لإرشاد السفن العابرة في مياه الخليج، وتحيط بهذه الجزيرة عدد من الجزر الأصغر مشكلة عقدًا من اللؤلؤ يسبح على ماء يختزن في قاعه كنوزًا من اللؤلؤ. إنهما شبه جزيرة قطر وأرخبيل البحرين، والمسافة بينهما مضيق ماء تلاطم أمواجه شاطئين، شمال قطر وجنوب البحرين، شاطئ الزبارة وشاطئ رأس البر وبينهما جزر حوار. هذه الجغرافيا قد توحي بتاريخ مديد مشترك، ولكن في ثنايا التاريخ تاتي المفارقة، فالتاريخ بينهما قصير، في عهده الحديث، أما التاريخ المديد فتستفرد به البحرين، لأن البحرين كانت لؤلؤة الحضارة في الخليج، حيث الكثافة السكانية والإنتاج الزراعي والحرفي وصيد السمك واللـولؤ، وهذه الحضارة حاضرة في المخطوطات السومرية، قبل ثلاثة آلاف عام تحت اسم دلمون، أي أرض الخلود، ومع تعاقب العهود وظهور الإسكندر المقدوني كان للبحرين حضور في الوثائق اليونانية تحت اسم تايلوس وأرادوس، واسم أوال قبل العصر الإسلامي. على مر هذه العهود والعصور كانت شبه جزيرة قطر ركامًا متحركًا من تراب الصحراء غير ذي زرع ولا سكن ولا نفس، بل أنها كانت امتدادًا جغرافيًا لمركز حضاري هو البحرين بمسمياتها المختلفة عبر التاريخ المديد قبل ثلاثة آلاف سنة. و دون الخوض أعمق في التاريخ الشاهد على مكانة البحرين الحضارية وحدودها السيادية بمعناها الجغرافي، نعرج على الجارة الشقيقة التي لم يعرف لها تاريخ قبل العصر الحديث ذكرًا، إلَّا مع ظهور البوارج الحربية الأوروبية في مياه الخليج، أي قبل ما يقارب الثلاثمائة سنة، أما قطر ككيان شبه سيادي فإنها مرتبطة بظهور النفط تحت رمالها الصحراوية، فهذا النفط هو مؤسس دولة قطر، بينما البحرين كيان سيادي بالعمق التاريخي والمكانة الحضارية. 

مع تحول الحال وتغير لون التراب من اللون الصحراوي إلى اللون النفطي الأسود وتشكل دولة قوامها أموال النفط، ومن هذه الأموال، وفي غباب تاريخ و ثقافة ترتكز على قاعدة حضارية، تنامت حاجة، نابعة من الإحساس بالنقص التاريخي و الثقافي، إلى إثبات الذات وتثبيت حضور في الوسط الخليجي يميزها عن الوسط الخليجي كله، وخاصة التغلب على مكانة البحرين. هذه الحاجة المبنية على قاعدة الإحساس بالنقص وضرورة التعويض عن هذا النقص، شغلت بال القيادة القطرية، وصارت هي في صدارة أولوياتها، مما دفعها، لا شعوريًا إلى الارتباك والتخبط. فهي من واقع التماس الجغرافي مع البحرين، جعلت من البحرين هدفًا للتعويض عن الإحساس بالنقص، وخلقت حالة من العداء غير المبرر. أما مع بقية الدول الخليجية فقد جهزت لها الاداة الاعلامية الضخمة تحت مسمى «الجزيرة» تبث منها الأكاذيب والتلفيقات بغية إحداث الفوضى فيها وإسقاط أنظمتها. ارتباك وتخبط بامتياز، والأهداف عبثية تعود مضرتها على قطر نفسها. 

ومن أهدافها العبثية وطموحاتها الوهمية هو المطالبة بأراضٍ ومياه وجزر ليس لقطر فيها أدنى حق، كيف جاءت بهذا الادعاء في حقوق سيادية وهي حديثة العهد حتى بالسيادة على عاصمتها، كيف يستقيم الأمر لها أن تطالب بحق السيادة على أراضٍ و جزر ومياه تعود سيادتها للبحرين منذ ألوف السنين، وهي مغروسة بعمق في نفس كل مواطن بحريني، ومسمياتها هي جزء من التراث الشعبي البحريني. مثال قطر كمثل جار جديد ورد على حي، وبعد فترة قصيرة أخذ يزاحم جاره في أرضه ويثير الفوضى والفتن في الحي. 

وهذه القيادة غير الناضجة تستغل كل فرصة سانحة، بانتهازية مفرطة، من أجل تحقيق مآربها غير الواقعية. فقد استغلت القيادة القطرية الوضع الخليجي القلق الذي أحدثه الغزو العراقي للكويت، للنيل من علاقة الجيرة والإخوة بينها وبين شقيقتها البحرين، ورغم أن مؤتمر القمة الخليجية عقد في الدوحة لبحث احتلال العراق للكويت، إلَّا أن القيادة القطرية لم تراعِ خطورة الوضع ولم تحترم نفسها كونها المضيفة لقمة حساسة تمس مصير دول الخليج كلها، فتقدمت من وراء ظهر إخوانها، المجتمعين في عاصمة القيادة القطرية نفسها، إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي مطالبة المحكمة بتأييد رغبتها في إعلان السيادة القطرية على جزر حوار وجزيرتي فشت الديبل وقطعة جرادة وإعادة ترسيم الحدود البحرية بين البحرين وقطر. وهي بهذا الطلب وفي هذا الظرف الاستثنائي والطارئ تكون قد غدرت بالمجتمعين في عاصمتها ولم تحترم نفسها، وطبعًا طعنت في البحرين قيادة وشعبًا. والأدهى من كل هذا الغدر للأخوة وعدم احترام الذات، فإنها تقدمت إلى محكمة العدل الدولية برزمة من وثائق مزورة لدعم مزاعمها الواهية، بمعنى رزمة من الكيد والحقد، وهذا الحقد الذي لا مبرر له، قد صاغ بنية من الكذب وثائقه المزورة، أي وثائق كاذبة لا قيمة لها. صاحب الحق لا يحتاج لا إلى الكذب ولا إلى التزوير، وهذا التزوير في الوثائق والكذب على المحكمة دليلان ساطعان بأن ليس لقطر أي حق في ادعاءاتها، بل أنها بهذه الادعاءات الباطلة تطمح إلى أن تضع يدها على ما ليس لها فيه أدنى حق، وهذا هو النهج اللصوصي بعينه، وما هذا بسلوك قيادة لها أهلية إدارة شؤون دولة، وهي بهذه الفعلة الغدارة المخزية، قد ارتكبت جملة من الجرائم التي تستحق العقاب على المستوى الخليجي والدولي، فهي قد طعنت بأقرب جار لها، و غدرت ببقية الجيران، وهم في بيت خليجي واحد، و لم تحترم مكانة محكمة العدل الدولية نفسها بالكذب عليها، ولم تراعِ مقعدها في منظمة الأمم المتحدة. مع كل هذه الجرائم، وخاصة استهانتها وكذبها على محكمة العدل الدولية، كان من الأجدر على هذه المحكمة الموقرة أن تدرك وتعي طبيعة النوايا السيئة لمطالب قطر الواهية الكاذبة، وترفض الطلب القطري جملة وتفصيلاً، وتغلق أبوابها أمام هذه القيادة غير الناضجة، بل وتتقدم إلى مجلس الأمن لبحث هذا الدور العبثي لدولة عضو في الأمم المتحدة لم تحترم المواثيق ولا العهود ولا الهيئات و لا المنظمات، لا على المستوى الإقليمي ولا على المستوى الدولي. 

إن الارتباك والتخبط لهما ترجمات عبثية متعددة، فها هي القيادة القطرية تمد يد العون والتعاون إلى ما وراء الحدود، ومن فوق رؤوس جميع الأشقاء القريبين، وترى ضالتها وشخصيتها (المهزوزة) في قيادة أيدولوجية استطاعت أن تتربع على أرض دولة كبرى هي بحكم الدستور والتاريخ الحديث دولة علمانية، إلّا أن هذه القيادة الأيدولوجية بها مس من جنون العظمة القاتلة، وتعمل على إحياء رميم عظام السلطة العثمانية، تلك السلطة التي اتخذت من الإسلام مطية، وكانت تضطهد المسلمين وخاصة العرب منهم، وكان السلطان نهمًا بالحريم، وجمع حشدًا متجددًا من الحريم في كيان خاص بالسلطان اكتسب رتبة «حريم السلطان». القيادتان، في الدولة الصغيرة وفي الدولة الكبيرة، يعيشان وهمًا، وهذا الوهم يزرع فيهما الارتباك، ومن تفاعل الوهم مع الارتباك ينتج ذاك السلوك الذي يثير الفوضى والفتن، وإلحاق الأذى بالذات. 

إن مكانة قطر مرهونة بالانسجام مع محيطها الخليجي، فقطر جزء من هذا المحيط، فاستقرارها وتقدمها وازدهارها مرتبط بالتعاون مع إخوتها الخليجيين، وليس تقديم العون، المالي والإعلامي، لمشروع أيدولوجي يحوم في ذهن إنسان يعيش وهم العظمة، وليس من ضمان أن لا يرتد هذا الزعيم على الصغار الذين يستغلهم لتحقيق أهداف فاشلة بطبيعتها... فمتى سيعود الوعي إلى ذهن قيادة قطر الشقيقة؟ ومتى ستعود قطر إلى بيتها الخليجي حيث الحب والترحاب؟.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها