النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11883 الأربعاء 20 اكتوبر 2021 الموافق 14 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

رحيل الأم المثالية

رابط مختصر
العدد 11384 الإثنين 8 يونيو 2020 الموافق 16 شوال 1441

على مدى أسبوعين كان الرئيس التنفيذي لمجموعة البركة المصرفية عدنان بن أحمد يوسف على موعدين مع القدر، الأول: عندما فارق الحياة رفيق دربه ونموذجه الأمثل رئيس مجلس إدارة المجموعة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ صالح بن عبدالله كامل، الموعد الآخر وبينما لم ينتهِ الصديق العزيز من تجفيف دموعه، ولملمة أحزان السنين حتى فاجأه خبر أكثر قساوة وأعنف صدى على قلبه ونفسه، ومسيرة حياته، عندما فارقت الحياة السيدة الفاضلة والدته، أو الملقبة بأم الرجال، أو الأم المثالية التي احتفت بها البحرين قبل عامين في حفل مهيب أطلقته مجموعة يوسف عبدالوهاب الحواج وأولاده.

كانت السيدة عائشة بنت الشيخ محمد المطروشي أمًا مثالية بحق، وكانت سيرتها الذاتية مفعمة بالحضور الدائم الذي قارب الثمانية عقود وهي تنجب وتربي تسعة من الأولاد الذين يُشار إليهم بالبنان في المجتمع البحريني، ولعلني أتذكر هنا بحكم قربي من تلك العائلة طوال نحو أربعة عقود أنها كانت أمًا مثالية بحق، ففي موقعها الذاتي الملقب بـ«البيت العود» وسط «فريج الشيوخ» بدُرة مدينة المحرق، كانت العائلات البحرينية والضيوف القادمين من كل حدب وصوب لا ينقطعون عن مجلسها العامر، لم يمر يوم وربما ساعة إلا وكان ذلك المجلس مكتظًا بالزائرات لها، وبالتواقين إليها، وكانت كسيدات أهل العلم والخبرة والعروبة العريقة والأصالة، تربِت على أكتاف الجميع، تنصحهم إلى الطريق القويم وتوجههم نحو السراط المستقيم، وتأخذ بأياديهم في المحن وتقدم واجب المشاركة في السراء والضراء للجميع، من دون تفرقة أو استثناء.

لقد سعت السيدة الفاضلة أو أم البحرين المثالية طوال حياتها إلى فعل الخير، لم ينغلق باب بيتها «العود» أبدًا، وكان كل سائل وكل طارق لبابها لا يجد منها رحمة الله عليها إلا كل كرم ضيافة، وكل حفاوة استقبال، كل حنوّ نادر في هذا الزمان، وكل حب صافٍ لكائن من كان. 

لم تكن أم الرجال أمًا لتسعة رجال فقط، لكنها كانت أمًا لنجوم كُثر في المجتمع، لأسماء لامعة تربوا على خصالها، وجميل طباعها في مقتبل أعمارهم، وشبوا وترعرعوا بين أياديها الكريمتين، وفوق هذا وذاك على أخلاقها الحميدة الخالدة، وقيمها الرفيعة الساجدة، كانت أمًا وفية وسيدة لألمع نجوم اليوم في سماوات الصيرفة الإسلامية وغيرها من قطاعات المال والأعمال والتجارة.

كانت أمًا فوق العادة للمغفور له عبدالرحمن عبدالملك أحد رواد العمل المصرفي الإسلامي في السبعينات والثمانينات وحتى الألفية، كان رحمة الله عليه مؤسسًا لأول مصرف إسلامي في أوروبا، ومشاركًا جسورًا، ومهنيًا رفيعًا بأكثر من مصرف في البحرين وخارجها، آخرها رئيسًا تنفيذيًا لمصرف أبوظبي الإسلامي، أيضًا كان ومازال ابنها المصرفي المعروف عاطف عبدالملك متربعًا على مقعد النجم الساطع في سماوات الصيرفة الإسلامية والعربية والدولية، أما ابنها البار رئيس «مصارف البحرين» والرئيس السابق لاتحاد المصارف العربية، السفير المخضرم فوق العادة لمشروعات الخير والأعمال الإنسانية عدنان أحمد يوسف، فقد نال منها دعاؤها الكريم بدوام الصحة والعافية، والتحليق في سماوات النجومية المصرفية، والمُثُل المعرفية والمهنية والإنسانية.

لم تكن السيدة عائشة طيب الله ثراها إلا إحدى نساء العرب المسلمات الكثيرات اللائي أنجبن لأمتهن ملايين الرجال، وأضفن لمجتمعاتهن أرقى الخصال، وأعدن إلينا ذاكرة السنين بأن بلادنا ستظل زاخرةً بسيداتنا الخالدات، وأمهاتنا الفاضلات، وأنها ستظل ولادةً للعظماء والأتقياء، كانت ككل السيدات اللاتي تحترمن حرمة الأعتاب، وتؤمن بقدسية العائلة، وتكابدن من أجل تربية نشء لا يضلون طريقهم في مهب المتغيرات والهجمات الغربية المكتسحة لحدودنا وعقولنا وبيوتنا من جراء التكنولوجيا المفتوحة والسماوات الخارقة، والفضاءات الواسعة.

لقد حافظت «أم الرجال» أو سيدة البحرين المثالية على ذلك التشبث بالقيم العليا، وعلى تلك الخصال المرتبطة بالعادات والتقاليد والمُثل الرفيعة، فلم تمل ولم تكل من متابعة أولادها وأحفادها، من توجيههم وتوحيد مساراتهم وتعبيد مداركهم، وتصويب مرتجاهم، فكانت دائمة الاتصال بهم، وكانت على نفس الدرجة من القلق عندما ينتاب القلق أحدهم، أو تؤرق مخدعه مشكلة أو عندما يصيبه مكروه لا سمح الله.

لقد كانت أم «فريج الشيوخ» المثالية مثالية، لكن الفقد الكبير لم يقتصر على الفريج أو المدينة أو البلاد، بل امتد إلى عيون دمعت، وقلوب حزنت، ونفوس آمنت بقضاء الله وقدره، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها