النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11489 الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 4 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

مأزق الرأسمالية

رابط مختصر
العدد 11382 السبت 6 يونيو 2020 الموافق 14 شوال 1441

كانت توجد رعاية اجتماعية في معقل الرأسمالية في الغرب، لكنها تآكلت في العقود الأخيرة، كما تبين بوضوح في جائحة الكورونا، فالرأسمالية المحكومة بالربحية والثراء تفسد الرعاية الاجتماعية باستمرار، وبوسائل متعددة، كالخصخصة الجامحة غير المحدودة، وتقليص دور الدولة، ما يؤثر على الاستقرار الاجتماعي. وترفع الرأسمالية الأجور بعد مطالبات وتضحيات يقدمها المجتمع، ثم ترفع الأسعار من جانب آخر. فهي تأخذ ما تعطيه بعد فترة وجيزة، لتراكم أرباحها. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فارتفاع الأسعار مستمر فيما الرواتب ثابتة لا تغيير، وعلى هذا المنوال، فجشع الرأسمالية وسعارها المادي ينسيها أضرارها على المجتمع أو أنها لا تكترث لذلك.
على إثره شهدت مجتمعات الغرب موجات من القلاقل السياسية في العقود الأخيرة من اليمين الشعبوي في عدة بلدان بسبب تدهور الأحوال المعيشية، وكانت انتفاضة أصحاب السترات الصفراء في فرنسا هي الأكبر. احتج الفرنسيون على ارتفاع الأسعار وضعف الرواتب، بعد أن تآكلت الطبقة الوسطى وانحدرت إلى حضيض الطبقات محدودة الدخل. وهكذا تتناسل الكوارث الاجتماعية في ظل الرأسمالية دون توقف، وتنتهي الأمور إلى خلق مجتمعات قلقة تعيش فوق صفيح ساخن.
في أواخر القرن العشرين تقدمت الرأسمالية مع تطور التكنولوجيا، فاتسع نفوذها في العالم، بعد أن زينت نظامها العالمي الجديد بواجهات ثقافية وشعارات برّاقة واعدة، فاقتصادها العابر للقارات ستتداخل فيه الثقافات، وسينشر الرخاء المادي في كل الدول، بين كل الطبقات، وستذيب العولمة المظفرة المنتصرة النزعات العنصرية القومية الضيقة، وسيتوحد البشر في كل القارات، في ظل التنمية والازدهار والرفاه. لكن كل هذه الوعود البراقة لم تتحقق، والازدهار والرفاه ظل محصورًا في الرأسمالية بأنانيتها المطلقة.
وقبل نهاية العقد الأول من هذا القرن ضرب العالم ركود اقتصادي في العام 2008، وتضاعفت مشكلة البطالة، واختلّت البنية التحتية للبلدان الغربية، كما تصاعدت العنصرية على يد اليمين المتطرف، ومع تدفق الهجرات من الشرق الأوسط وأفريقيا لم تعد المجتمعات الغربية تتقبل الآخر. وعادت الحرب الباردة من جديد. ونقلت الرأسمالية الجشعة مصانع إنتاج السلع إلى الدول النامية حيث الأيدي العاملة الرخيصة وأسواق تصريف منتجاتها. تذهب الرأسمالية حيث يتضاعف الربح، وإن تسببت في تعطيل ملايين من العمال في أوطانها، فلا وطن للرأسمالية غير المال. واتسعت الهوة بين الطبقات. والآن لن تعرف مجتمعات الغرب الاستقرار؛ لأن العدالة الاجتماعية أصيبت بالأنيميا، وهي تنحدر مع الوقت، مما حدى بمفكري الغرب للبحث عن طريق جديد، لترميمها.
ولقد كانت الرأسمالية في الغرب في العقود الأخيرة تحت مجهر النقد الشديد من قبل المفكرين؛ من ورثة عصر التنوير، الذي خانت الرأسمالية مبادئة، وهشمت بنيانه. هذه النخب المستنيرة التي لم تستطع أموال الرأسمالية مصادرة وشراء عقولها، حذّرت من انهيار العدالة الاجتماعية الوشيك، وعلت أصواتها أكثر بعد الجائحة التي عرّت الرأسمالية تعرية شاملة. يعرف هؤلاء المستنيرون أن الخلل الاجتماعي موجود أساسًا في بنية الرأسمالية، في بنائها وتكوينها القائم على قاعدة الأرباح ومضاعفة الثروات.
لكن.. ما الحل الذي تتطلع إليه النخب المثقفة في الغرب؟ الحل كما يراه البعض في الطريق الثالث؛ بين الاشتراكية التي لم تنجح والرأسمالية التي لم تنجح أيضًا، وإن كانت أفضل من النظام الاشتراكي. والطريق الثالث لن يكون صراعًا طبقيًا جديدًا، بل حوارًا ديمقراطيًا مفتوحًا بين المختلفين، ليعيد التوازن الاجتماعي ويعالج الخلل من جديد، لتتوافق الجهات المختلفة وتصل إلى حلٍ مشترك يحفظ مصالح الجميع، وفي هذا الحل لابد من إعطاء حقوق ومزايا أفضل للطبقة الواسعة الأكثر تضررًا والأكثر حاجة؛ بما ينتج مجتمعًا عادلاً ينصف الجميع. بصيغة أخرى؛ تعديل العدالة الاجتماعية وتطويرها بحيث لا تبقى الطبقات الدنيا تحت رحمة الرأسمالية التي لا ترحم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها