النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11452 السبت 15 أغسطس 2020 الموافق 25 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:14PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

من دروس «كوفيد 19»

رابط مختصر
العدد 11381 الجمعة 5 يونيو 2020 الموافق 13 شوال 1441

 لا أظن أن أي شكل من أشكال العتب ينبغي أن يقع على حكومات دول العالم قاطبة وهي تتخذ إجراءاتها بحذر شديد للعودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية، هذا إذا كنا نتذكر بعد نمط الحياة الطبيعية بانقضاء هذه الفترة الطويلة من اتباع الإجراءات الاحترازية المتخذة لمجابهة أخطار «كوفيد 19» والتي لم تنتهِ بعد! أقول ذلك رغم ما لحياة البشر من أولوية على أي شيء في الوجود، وهذا ما أكدته أزمة هذه الجائحة في كل صعيد. فيروس كورنا مازال يحاصرنا، نعم هذه حقيقة علمية ثابتة، ولكن ذلك لا يعني أن تبقى المجتمعات الإنسانية مستسلمة لهذا الفيروس، لتتركه يجمّد حركتها إلى الأبد ويوقف أنشطتها الاقتصادية وكل ما يتعلق بحياة البشر وما يبقي الناس على قيد الحياة. أكثر من خمسة أشهر ونحن بمعية هذا الفيروس الذي انتحل صفة الأممية وصار يجوب في حرية تامة أقطار العالم! هذه الفترة كافية لكثير من الناس كي يتأقلموا مع هذا الوضع الجديد، ولكنها ليست كذلك بالنسبة لآخرين.

 الناس صارت تحارب هذا الفيروس في «السوبرماركتات» والبيوت وما تبقى لها من أماكن قليلة ترتادها بأسلحة محدودة ومحددة حتى إشعار آخر، تندرج بجملتها تحت عنوان العناية بالنظافة، بالإضافة إلى استخدام الكمامات والقفازات وتطبيق «نصيحة» التباعد الاجتماعي، وهي النصيحة التي لو طبقت بالتزام شديد وبالصورة التي في رأس كل طبيب لتقلصت الإصابات وتراجع بالتالي الفاقد البشري بشكل ملحوظ. المحزن في هذا السياق هو أن هناك أحاديث موثقة بالفيديوات تفيد أن شركة كبيرة سمحت بافتتاح شاطئ بلاج الجزائر خلال عطلة العيد ولا نعرف حقًا وجوه الحاجة إلى هذا السماح ولا ضرورته حتى إذا ما كان مرهونًا باتباع الإجراءات الاحترازية واحترامها! في رأيي أن السماح بافتتاح الشاطئ، وبحضور هذا الكم الهائل من البشر الذين ظهروا في الفيديو أمر في غاية الخطورة؛ لأنه ببساطة مخالفة صريحة لشرط التباعد الاجتماعي الذي يبقى -ولن نمل تكرار ذلك- السلاح الأقدر حاليا على منع انتشار الفيروس! إن في مشهد افتتاح بلاج الجزائر المتداول على وسائط التواصل الاجتماعي خطأ جسيمًا يضيف إلى آثاره الصحية السلبية -لا قدّر الله- وقعًا اجتماعيًا ونفسيًا في مختلف المتعايشين على أرض مملكة البحرين، فإذا عرفنا أن صلاة العيد نفسها، وهي من مقدسات المسلمين ومن مراسم الاحتفاء بنهاية شهر الصوم، قد علقت ليس في البحرين فحسب وإنما في كل دول مجلس التعاون وجل الدول الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها حفاظًا على سلامة الناس، ففيم المجازفة بافتتاح الشاطئ؟! 

 الثابت أننا لم نهزم الفيروس حتى الآن، ولا يلوح في الأفق ما يُشير إلى أننا سنهزمه طبيًا قريبًا، لكنه رغم آثاره الرهيبة، وهذا هو طموحنا الإنساني لإيماننا بالعلم وقدرة العقل البشري على ابتكار ما يحفظ الحق في الحياة، لم يهزمنا ولن يهزمنا رغم ما أحدثه من خسائر وما أحدثه من تغيير إجباري في برامجنا اليومية الروتينية جميعها. 

لقد كان لهذا الفيروس أن يلحق بنا خسائر أكثر فداحة في الأرواح وفي الاقتصاد لو أنه ترك دون مواجهة بالإجراءات الاحترازية التي ستشكل مستقبلاً نقلة في السلوك البشري لجهة العناية بالصحة العامة على مستوى الأفراد والمؤسسات؛ فقبولنا للفيروس كواقع حال وتعايشنا معه مذ ظهر وانتشر وبات شرًا لابد منه جزء من المواجهة الضرورية لاستمرار الحياة إلى أن يجد الإنسان العلاج الناجع الذي يقضي عليه.

 رغم أن انتشار الفيروس بات واقعًا مؤلما بحيث لم يترك بقعة في العالم إلا وجثم بثقله عليها، وغدت أرقام ضحاياه المخيفة في متناول اليد من خلال تدفق التقارير الدولية بشكل يومي، والجهود الحكومية الطبية الملحوظة في كل دول العالم للحد من سرعة تكاثره، أو تخفيف وطأة الحالة المرضية لمن تمكن منهم الفيروس، إلا أن هناك من لايزال يجادل في سبب وجوده وانتشاره، مصورًا كل هذه الحقائق التي لا تُنكر في سيناريوهات عديدة؛ فمن القول إنها مؤامرة بيولوجية حيكت بليل وتهدف من خلالها الدول ذات الاقتصادات الكبرى التفوق على بعضها البعض إلى درجة استخلص معها أنصار نظرية المؤامرة وعشاق الأفلام أن الصين قد كسبت الرهان في هذه الحرب وأصبحت تتربع على عرش الزعامة الاقتصادية! إلى الزعم أنها تفعيل لنظرية الباحث السكاني الاقتصادي الإنجليزي «مالتوس» من تقليل في جنس البشر على الكرة الأرضية ليكون متناسبًا مع حجم الإنتاج!

 وبعيدًا عن هذا الخيال، فإن الحقيقة الواقعة أن الفيروس العدو يحاصرنا، وأن مواجهته لا تقبل السفسطة والتنظير الفارغ واللغو، وأن علينا أن نستخلص من هذه التجربة المؤلمة دروسا عديدة. وفي اعتقادي، وبعيدًا عن التسطيح الذي يتداوله البعض وينتجون حوله الفيديوات والرسوم الكاريكاتورية مثل «أننا أصبحنا أكثر قربًا من أفراد أسرنا» وغير ذلك مما يبتعد عن الواقع. والحقيقة، إن الدرس الأكبر المستفاد، بالنسبة إلينا في البحرين، أن الحكومة تعمل وبشكل مشرف كل ما في وسعها لإبعاد المجتمع عن المخاطر الكبيرة التي كانت ستنال منه، وأن الهبة التضامنية من المواطنين والوافدين والتي أجلتها حملة «فينا خير» تؤكد حاجتنا إلى بعضنا بعضًا بما في ذلك العمالة الوافدة التي حان الوقت لتفعيل التدابير القاضية بالحد من العمالة السائبة وبتوفير السكن الملائم لها خارج مناطق سكن المواطنين، وفي اعتقادي أن ليس في ذلك أي انتقاص لهم، بل هو حرص على سلامتهم، وحفاظ على مقومات الهوية الوطنية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها