النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11489 الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 4 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

تغوّل الرأسمالية وخطاياها

رابط مختصر
العدد 11375 السبت 30 مايو 2020 الموافق 7 شوال 1441

قد نعتقد لوهلة أن وصم الرأسمالية بالتغوّل والتوحش وارتكاب الخطايا وهي خصال للرأسمالية يجمع عليها المفكرون والكتّاب في كل أرجاء العالم، خصوصًا هذه الأيام، فيه إجحاف وتطاول بعيد عن المنطق، لأن الرأسمالية هي اللاعب الأساسي في المجتمعات الحديثة، فهي سببٌ رئيسي للتقدم في هذا العصر، ويشكّل نظامها (الاقتصاد الحر) عمود الصارية لسفينة الاقتصاد والتجارة والتنمية في عالمنا الحديث. ومع الرأسمالية التي رافقت الثورة الصناعية تقدمت الدول الأوروبية وبنت الحضارة الحديثة، وبالإضافة فالليبرالية المنتشرة في كل أرجاء المعمورة كنظام سياسي ناجح، جاءت مترافقة يدًا بيد مع الرأسمالية، وبالتالي فالرأسمالية تستحق الثناء، ولا تستحق الذم، لكن كل هذه المحاسن لم تخف النتائج الخطيرة للرأسمالية، فالرأسمالية أهملت، جانبًا جوهريًا في نظامها هو الجانب الإنساني. 

فهناك خللٌ كبير في الرأسمالية الليبرالية يدمّر كل إيجابياتها ويتجاوزها. فالنتائج التي تمخضت عن الثورة الصناعية والرأسمالية كانت موجعة والسبب يرجع إلى منطق الاستثمار في الرأسمالية والذي يفضل توجيه الطاقات البشرية والمالية والتقنية نحو الأنشطة المربحة، والأكثر ربحًا. دون أي اعتبار للنتائج المصاحبة للاستثمار، ذلك يقود الرأسمالية إلى تفضيل إنتاج الأسلحة مثلاً وبيعها لأنها الأكثر ربحًا، بغض النظرعن الدمار الذي تسببه هذه الأسلحة. 

وفيما تحتاج البشرية حاجة ماسة لتطوير مضادات حيوية جديدة للفيروسات التي تقاوم المضادات الحيوية الحالية الموجودة، ما يؤدي إلى موت مئات الآلاف في مستشفيات العالم، لا تذهب الرأسمالية للاستثمار في الأدوية وفي البحث عن مضادات جديدة، وتفضل الإستثمار في الأسلحة، وتنفق آلاف المليارات في هذه التجارة لأنها الأكثر ربحًا. 

وغياب الوازع الإنساني عند الرأسمالية سيقود العالم إلى مصير مظلم وخطير، وسيؤدي إلى تدمير هذا الكوكب الذي نعيش عليه كما يقول العلماء. فالمنتجات الصناعية التي تتبضع بها الرأسمالية وتوزعها في أرجاء العالم وتربح منها الملايين، هي المسؤولة عن تدمير البيئة وثقب الأوزون وإزدياد حرارة الأرض. لكن الرأسمالية لم تلتفت أو تهتم لتحذيرات العلماء، بل سخرت منها. اقترح العلماء مثلاً، بدائل صناعية لا تؤثر سلبًا على حياة البشر لكن الرأسمالية لم تلتفت إلى ما يقوله العلماء، ولَم تلتزم باقتراحاتهم. 

وآثام الرأسمالية المباشرة على حياة البشر هي أحد أكبر شرورها، فهي كنظامٍ اجتماعي اقتصادي لم تخلق مجتمعًا عادلاً ينصف البشر وييسر لهم حاجاتهم ويبعدهم عن الفقر والفاقة والبطالة. والازدهار الذي تتشدق وتفاخر به الرأسمالية لم يقضِ على بطالة الملايين، ولَم يؤدي إلى حياة سعيدة منصفه للأغلبية. قبل أكثر من قرنين حذر المفكر الرأسمالي الليبرالي آدم سمث صاحب كتاب (ثروة الأمم) الذي وضع أسس الرأسمالية، حذر من استغلال مساحة الحرية في النظام الرأسمالي؛ للتربح وتجاهل العدل الاجتماعي، يقول آدم سمث: (إن ما يؤدي إلى تحسين ظروف القطاع الأكبر من أفراد المجتمع لا يمكن أن يمثل عقبة، وليس هناك من مجتمع يمكن أن يكون مزدهرًا وسعيدًا فيما يرزح معظم أبناءه تحت طائلة البؤس والفقر/‏ كتاب ثروة الأمم، المجلد الأول، الفصل الثامن. 

والمفكرآدم سمث يلقب بأبو الاقتصاد الحديث، وثناؤه على الازدهار الاقتصادي الذي ستوفره الرأسمالية لم ينسه توفير حياة عادلة للناس أيضًا، فمن حق أفراد المجتمع ومن واجب الرأسمالية أن تصيغ نظامًا عادلًا ينفع الجميع، ولا يقتصر نفعه على فئة صغيرة، ولا خير في نظام تعيش أغلبيته في حالة مزرية، فيما تعيش قلة منه في عيشٍ رغيد. فغياب العدل في العالم سببه الرأسمالية؛ فهي تملك الثروة وتحرك الاقتصاد، وتؤثر على القرار السياسي بنفوذها المالي في المجتمعات الحديثة، وبوسعها لو تعاونت مع الدولة أن تفتح أبوابًا كثيرة للتوازن في عدالة توزيع الثروة، وتأسيس مجتمع عادل ينصف الجميع.

اليوم هناك في هذا العالم عدد قليل من الأثرياء ثراءا فاحشًا، وملايين من الفقراء فقرًا فاحشًا. وتقول منظمة أوكسفام البريطانية، أن ثمانية من أغنى أغنياء العالم يملكون ثروة تضاهي ما يملكه نصف أفقر سكان العالم. وكانت منظمة أوكسفام قد أعلنت قبل ذلك، أن ثروة واحد في المئة من أثرياء العالم تعادل ثروة كل سكان العالم!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها